سلايدرمقالات

إضاءات حول فرح المغاربة بالمصطفى

فضيلة الأستاذ محمد التهامي الحراق

الحمد لله العزيز الغفار، والصلاة على سيدنا محمد مشكاة الأنوار، وعلى آله الأطهار، وصحابته الأبرار، وجميع من اغترف من معينهم من الصالحين والأولياء و الأخيار.

نسعى من خلال هذا الحديث المختصر أن نقترب من موضوع يحتاج إلى أعمال علمية كبيرة وموسعة، ويقتضي دراسات تتقاطعها تخصصاتُ التاريخ والفقه والتصوف والأدب والموسيقى والأنتروبولوجيا وغيرها، كما تستعجل قبل هذا وذاك إخراج جم من المخطوطات والوثائق المنسية أو المهملة، والعمل على تحقيقها تحقيقا علميا ثم نشرها وإذاعتها بين الناس.

يتعلق الأمر بموضوع الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ودوره في التعبير عن فرح المغاربة بالمصطفى صلى الله عليه وسلم. فالاقتراب من تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في المغرب، على أهمية ما أنجز فيه وحوله من دراسات، ما يزال في مسيس الحاجة إلى بحث في المظان التاريخية للوقوف على تفاصيل هذا الاحتفال في مختلف اللحظات التاريخية منذ انطلاق هذا الاحتفال في القرن السابع الهجري على عهد العزفيين إلى راهننا المعاصر؛ وذلك من أجل الوقوف على مختلف مظاهر هذا الاحتفال الرسمية والشعبية وآثارها الأدبية والعلمية والاجتماعية والدينية وأبعادها الحضارية ومدى إسهامها في تشكيل وجه من أوجه الهوية الدينية للمغرب الأقصى؛ وكذا من أجل رصد الوظائف المتعددة التي صارت تضطلع بها كل تلك المظاهر؛ حيث صار هذا الاحتفال، بطقوسه وعاداته في اللباس والطبخ والتزيين والإنشاد والاجتماع والعمران وسك العملات وإحياء ليالي الذكر والتذكير في المساجد والزوايا والمشاهد والبيوتات الخاصة…؛ صار هذا الاحتفال بفضل ذلك وغيره علامة مميزة للشخصية الإسلامية المغربية.

  هذه آفاق ينبغي على البحث والباحثين أن يمخروا عبابها، فثمة أصداف تنتظر في شغف من سيظفر بها ليجليها لنا، كيما نتعرف على الأبعاد الاجتماعية والنفسية والسياسية والفلسفية والجمالية والحضارية لاحتفال المغاربة بالمولد النبوي الشريف؛ وهو الاحتفال الذي تظل كل نظرة تعتبر مظاهره من مخلفات الأعراف والعادات الثانوية أو التقاليد التي تعللها الوراثة والحنين للماضي، تظل نظرةً قاصرة وكليلة عن إدراك خفايا امتداد هذا الاحتفال وإصرار المغاربة، رسميا وشعبيا، على التمسك به وإحياء وتجديد مظاهره وتجلياته.

سيلزمنا في البدء، وقبل التذكير ببعض بواعث فرح المسلمين برسولهم الأكرم ونماذج من تأصيلاتهم لذلك، والوقوف عند بعض المظاهر المغربية لهذا الفرح ومدى عناية المغاربة بالمديح النبوي، نظما وإنشادا وتداولا، بما هو أحد عناوين فرحهم بالمصطفى صلى الله عليه وسلم؛ سيلزمنا أن نقترب قليلا من تاريخ انطلاق الاحتفال بالمولد النبوي وتطوره في المغرب، هي مجرد إضاءات ليس إلا.

1- الاحتفال بالمولد النبوي: اقتراب تاريخي

 من المعلوم أن الاحتفال بالمولد النبوي الكريم قد ظهر وانتعش رسميا منذ عهد الفاطميين بمصر وتونس حيث كانوا يحتفلون به ضمن احتفالهم بستة مواليد، وهي مولد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم؛ ومواليد آل البيت عليهم السلام علي ابن أبي طالب والحسن والحسين وفاطمة الزهراء؛ ومولد الخليفة الحاضر. كما أن مكة المكرمة كانت تحتفي بهذا العيد، حيث ينقل لنا الرحالة الأندلسي ابن جبير في “رحلته” عام 579هـ-1183م أن مشهد مولد الرسول(ص) بمكة المكرمة يفتح في شهر ربيع الأول يوم الاثنين تحديدا فيدخله الناس كافة، ويضيف أبو العباس العزفي في كتابه “الدر المنظم في مولد النبي المعظم أن يوم المولد يتخذ عطلة عامة بمكة المكرمة وتفتح فيه الكعبة المشرفة ليؤمها الزوار.

  وإذا كان بعض الباحثين يعين القرنين السادس والسابع الهجريين باعتبارهما تاريخ ظهور الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف، فإن غيرهم يؤكد “أن العباسيين احتفلوا به طوال مختلف عهودهم وأن العلويين والشيعة عامة قد احتفلوا به حتى قبل قيام الدولة العباسية”، وممن احتفل بالمولد النبوي الشريف خلال القرن السابع الهجري الملك مظفر الدين بن زيد الدين صهر صلاح الدين أمير أربل (وهي مدينة تقع جنوبي شرقي الموصل بالعراق)(تـ.630ه/1232م). وقد زار هذه المدينة ابن دحية السبتي -وهو من كبار علماء المغرب في عصر الموحدين- عام 604هـ/1207م، وحين رأى احتفال الملك مظفر الدين وولعه بعمل المولد النبوي الشريف ألف له كتاب “التنوير في مولد السراج المنير“.

أما في المغرب فقد كان أول من دعا إلى الاحتفال بعيد المولد النبوي الكريم أبو العباس العزفي السبتي المتوفى سنة 633هـ/1236م، ويذكر في مقدمة الكتاب الذي بدأ تأليفه “الدر المنظم في مولد النبي المعظم” الحافز الذي حدا به إلى الدعوة لهذا الاحتفال؛ ذلك أن أبا العباس العزفي لاحظ متابعة المسلمين ومجاراتهم للنصارى في احتفالهم بأعياد “النيروز” (أول يناير ويوافق ميلاد السيد المسيح عليه السلام) والمهرجان (العنصرة حيث ذكرى ميلاد النبي يحيى عليه السلام يوم 24 يونيو)، و”ميلاد السيد المسيح عليه السلام”) هو 25 ديسمبر حسب التقويم الغربي)، فدفعته غيرته على الإسلام والمسلمين في الأندلس وخوفه على هويتهم ودينهم إلى أن يفكر في ما يدفع هذه المناكر ولو بأمر مباح. فكان أن انتبه إلى ضرورة العناية بمولد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فبدأ يطوف على الكتاتيب القرآنية بسبتة ويشرح لصغارها المغزى والغايات الفاضلة من هذا الاحتفال، كما حض على تعطيل قراءة الصبيان في هذا اليوم العظيم. وهكذا انطلق هذا الاحتفال كشكل من أشكال مقاومة التقليد الديني للمسيحيين. 

 ولما تولى ابنه أبو قاسم العزفي إمارة سبتة، كان من إنجازاته أن حقق رغبة والده فاحتفل في سبتة بالمولد النبوي في أول ربيع من إمارته عام 648هـ/1250م، ويصف ابن عذارى المراكشي احتفال أبي قاسم العزفي في أول ربيع له بالمولد الكريم، فيكتب: «ومن مآثره العظام، قيامه بمولد النبي -عليه السلام- من هذا العام، فيطعم فيه أهل بلده ألوان الطعام، ويؤثر أولادهم ليلة يوم المولد السعيد بالصرف الجديد من جملة الإحسان إليهم والإنعام، وذلك لأجل ما يطلقون المحاضر والصنائع والحوانيت يمشون في الأزقة يصلون على النبي عليه السلام، وفي طول اليوم المذكور يسمِّع المسمعون لجميع أهل البلد مدح النبي عليه السلام، بالفرح والسرور والإطعام للخاص والعام، جار ذلك على الدوام في كل عام من الأعوام».

ومن أجل إشاعة هذا الاحتفال، وبعد أن أكمل أبو القاسم كتاب والده “الدر المنظم في مولد النبي المعظم”، وبعث بنسخة منه إلى الخليفة ما قبل الأخير في سلالة الموحدين عمر المرتضى مشيرا عليه بإحياء هذه “البدعة الحسنة” كما وصفها كتاب “الدر المنظم”، صار هذا الخليفة الموحدي يحيي ليلة المولد بمراكش ويحتفل بها احتفالا، ويبدو أن الإنشاد والسماع كانا حاضرين أيضا كمحورين رئيسين في هذا الاحتفال، كما يوحي بذلك “كتاب المسموعات” الذي ألفه مؤرخ المرتضى أبو علي الحسن بن علي بن محمد بن عبد المالك الكتامي الرهوني المعروف بابن القطَّان نزيل مراكش 661هـ/1263م. وهو كتاب ضمنه قصائد مختارات فيما يخص المولد الكريم، وشهور رجب وشعبان ورمضان، وغير ذلك.وهو كتاب مفقود.

 وقد امتد الاحتفال بالمولد النبوي في المغرب على عهد المرينيين إلى أن أصبح عيدا رسميا معمما في جميع جهات المغرب مع يوسف بن يعقوب بن عبد الحق المريني أواخر صفر عام 691هـ/1292م. وفي أيام أبي سعيد الأول بن يوسف أضيف إلى ليلة المولد الاحتفال بسابعه، وفي أيام هذا السلطان تبنت الدولة القيام بنفقات الاحتفال بليلة المولد في سائر جهات المملكة. وقد اتخذت هذه الاحتفالات طابعيها الاحتفائي الباذخ والبهي مع أبي الحسن وأبنائه، حيث دأب أبو الحسن المريني على إحياء ليلة المولد سفرا وحضرا، إذ يقتني لها ألوان المطاعم والحلويات والبخور والطيب؛ مع إظهار مظاهر الزينة والتأنق في إعداد المجالس كل حسب مرتبته وطبقته، ويأخذ الجميع من لباسه أبهاه ومن ريحه أطيبه، ويقدم في هذه الليلة ما طاب ولذ عن الفواكه الطرية واليابسة والحلويات وغيرها، وقد يقع الإطعام بعد العِشاء الآخرة. وكانت إذا «استوت المجالس وساد الصمت قام قارئ العشر فرتل حصة من القرآن الكريم، ويتلوه عميدُ المنشدين ويؤدي بعض نوبته تم يأتي دور قصائد المديح والتهاني بليلة المولد الكريم».

  وكانت تواكب هذه الاحتفالاتِ الرسمية احتفالاتٌ أخرى شعبية، حيث تُقام الأفراح وتستنير المدن بالأضواء، ويَتجمل الناس وتُزين المدن. وصار يوم الثاني عشر من ربيع الأول يوم دخول الصبيان بفاس للكتاتيب القرآنية، ومناسبةً لختان الأطفال. كما دأب الصوفية على الاحتفال بهذا العيد بزواياهم أو بالبيوتات الخاصة؛ فهذا أبو مروان عبد الملك الريفي أحد تلامذة أبي محمد صالح الماجري دفين آسفي، يقيم المولد النبوي في منزله بسبتة بحضور المريدين ومن إليهم ويستعمل في الليلة السماع، كما أن شعراء الملحون في هذا العهد كانوا يتبارون لإظهار براعتهم الشعرية بمناسبة المولد النبوي “حيث يجتمعون صباح يوم العيد في الميدان الرئيسي ويعتلون المنصة واحدا تلو الآخر لإلقاء أشعارهم وقد تجمهر عليهم الناس، ثم يُنَصَّبُ أميراً للشعراء من أحرز منهم قصب السبق”. ويُذكر كذلك أن السلطان المريني كان يقيم حفلا بهذه المناسبة يستدعي له رجال العلم والأدب، وأن الشعراء كانوا يلقون القصائد أمامه فيُنعم على الفائز الأول بمائة دينار وفرس ووصيف وحُلَّتِه التي يكون لابسا في هذا اليوم ويمنح سائر القراء خمسين دينارا لكل واحد”

  وقد ازدهت وازدهرت هذه الاحتفالات مع السعديين، وتعيينا في عهد المنصور كما أرخ لذلك عبد العزيز الفشتالي في “مناهل الصفا” حيث نقرأ فيه وصفا دقيقا لأحد مجالس هذه الحفلات. يقول: «فإذا استوت الورود، واصطفت الصفوف وتقاربت الأجناس وتآلفت الأشكال، ورضيت مقاعدها السراة(…) تقدم أهل الذكر والإنشاد يقدمهم مشائخهم من بعد أن يفرغ الواعظ من قراءة ما يناسب المقام من الاستفتاح بفضائل النبي(ص) وسرد معجزاته والثناء على شريف مقامه وعظيم جلاله، واندفع القول لترجيع الأصوات بمنظومات على أساليب مخصوصة في أماديح النبي الكريم(ص) يخصها العرف باسم “المولديات” نسبة إلى المولد النبوي الكريم، قد لحنوها بألحان تخلب النفوس والأرواح، وترق لها الطباع وتبعث الانشراح في الصدور والأشباح، وتقشعر لها جلود الذين يخشون ربهم، يتفننون في ألحانها على مذهب تفننها في النظم، فإذا أخذت النفوس حظها من الاستمتاع بألحان المولديات الكريمة، تقدمت أهل الذكر المزمزمون بالرقيق من كلام الشيخ أبي الحسن الششتري رضي الله عنه وكلام غيره من المتصوفة أهل الرقائق. كل ذلك تتخلله نوبات المنشدين للبيتين من نفيس الشعر يتحينون به المناسبة بينها وبين ما يتلى من الكلام عند الإنشاد».

 إن هذا النص النفيس يكشف لنا عن قمة ما وصل إليه السعديون في العناية والاحتفاء بالمولد النبوي الشريف، وهو ما تطور وازدهر في عهد الدولة العلوية، حيث عرفت تقاليد واحتفاءات واحتفالات باذخة، فصل في بعضها مؤرخو المملكة الشريفة، كما نقف على نماذج من ذلك مع المؤرخ عبد الرحمن بن زيدان في كتابه “العز والصولة“، احتفالات مازلنا نعيش فصولا رائعة منها في زماننا الحاضر، وفي مقدمتها ذاك المشهد الفريد في العالم الإسلامي حيث يجلس أمير المومنين على البساط في رفعة المتواضعين وعليه سيما المحبين، معه كبار رجال الدولة والعلم والشرف وسفراء مختلف البلاد الإسلامية، محاطا بالذاكرين والمادحين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يرددون بحضرته، في جو رباني وأفق ذكري ملائكي كله خشوع وهيبة وألق ومحبة؛ يرددون مدائحَ جده المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويتغنون بشمائله و خصائصه ومكارمه وسيرته؛ محفل ديني يُنقل عبر مختلف وسائل الاتصال ليشع بمعانيه وإشاراته على العالم، واشجا ببهاء بين الجلال والجمال، بين الروحانية والاغتباط، بين الفرح والنسك، بين الحسن والإحسان … وقد تعطر المقام والحضور برفيع العود والبخور، وازين الفضاء ببديع الفرش و وحدة الملبوس ونفيس الإهاب و رائق الأنفاس .. أما الأصوات فكأنها مزامير داود، انتُخب من مختلف جهات المملكة أعذبُها وأرفعها، وانتُقي لها من بهي الأنظام وشجي الأنغام، ما به ترتحل الأرواح عن أشباحها، وتنسكب عبرات الهنا من محاجرها، وتنتشي الأفئدة طربا وحبورا بمحبوبها… فإذا انتهى المديح والإنشاد تُليت آي من الذكر الحكيم، وخَتم المجلسَ أميرُ المومنين بالصلاة على جده الصادق الأمين، ليتم تكريم وإكرام العلماء والشرفاء والشعراء والمداح، وينصرف الجمع  مغتبطا مسرورا، و قد أسهم الحاضرون باعتزاز وانشراح في استدامة الأفراح، بهذا العيد النبوي الفاخر الأثير.

أما على المستوى الشعبي، ففي هذه المناسبة يكثر تدارس وتدريس السيرة النبوية في المساجد والمزارات والزوايا والبيوتات الخاصة، يصحبها ترتيل المدائح النبوية بأحلى التلاحين وأزهى الترانيم، وتقام حفلات ختان الأطفال في القرى والمدن،كما تعرف هذه المناسبة انتعاش الخياطة التقليدية من خلال إقبال الناس على إعداد أجمل الثياب التقليدية لصبيحة المولد الشريف، أما الطبخ المغربي فيشهد تجهيز أرفع الحلويات والعجائن، فضلا عن عنايته بمأكولات مخصوصة بفطور يوم العيد، والتي تعبر رمزيا  عن صدى الفرح بمولد الرسول في المتخيل الثقافي المغربي. وتمتد الاحتفالات وما يواكبها من تدارس وإكرام وإطعام وإطراب في مختلف الزوايا والمشاهد والبيوتات على امتداد شهر الربيع النبوي، مع تمييز سابع العيد باحتفاء متفرد. وما تزال طقوس هذه الاحتفالات ومؤثثاتها و رموزها في مسيس الحاجة إلى التوثيق و التدوين و الوصف والتحليل كما أشرنا آنفا

  وإجمالا، فإن من مرامي امتداد وازدهار وتوهج الاحتفال المولد النبوي في المغرب، رسميا وشعبيا،  على مدى قرونٍ استدامةُ الفرح بالمصطفى صلى الله عليه وسلم لما فيه من عظيم المكارم و سمي الآثار ورفيع المقاصد،  وهو ما جعل المغاربة يتمسكون بهذه السُّنة الحسنةِ ويتفننون في الاحتفاء بها وإحيائها. لكننا اليوم، وبسبب رياح دخيلة “غير لواقح” هبت على المشهد الثقافي الديني بالمغرب ظهرت معها نزعة تشكيكية جذرية في شرعية هذا الاحتفال وسمو مقاصده، أصبحنا نحتاج معها إلى التذكير ببعض أصول و مقاصد أجدادنا في هذا الاختيار الرشيد والسديد؛ و الذي لم يكن رشده ولا سداده بل ولا نبوغه، وإلى وقت قريب، في حاجة إلى شرح أو بيان. إنه مجرد تذكير لعل الذكرى تنفع المومنين.

2- في الفرح برسول الله صلى الله عليه وسلم: تأصيل وبيان

بالانطلاق من “حديقة الفرقان” ومخزن الأسرار، كتابِ الله عز وجل، بحثا عما يضيء لنا أوجه ومناحي فرح المؤمن، يمكن إجمال ذلك –دون وقوف على تفاصيل ذات نفاسة لا تنكر- في وجهين بارزين:

  • فرح مذموم منهى عنه؛

ب- فرح محمود مرغب فيه.

أ– فمن الفرح المذموم المنهي عنه والمتعددة صوره في الذكر الحكيم الفرح بالمعاصي، ذاك ما تصرح وتلمح إله دملة من الآيات منها قوله تعالى: فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله (التوبة، الآية 81)؛ وقال أيضا: ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون (غافر، الآية 75).

ومن صوره كذلك، ما يدل على الاغترار، يقول سبحانه: وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها، وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور (الشورى، الآية 48)؛ ويقول أيضا: ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني، إنه لفرح فخور (هود، الآية 09)، وقوله أيضا: كل حزب لما لديهم فرحون (المومنون، الآية 54/ الروم، الآية 31).

ومنه أيضا الفرح بما يشغل عن الله، نستفيد ذلك من قوله سبحانه: لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين (القصص، الآية 76)، وقوله أيضا: فرحوا بما عندهم من العلم (غافر، الآية 83)، وقوله كذلك: فرحوا بالحياة الدنيا (الرعد، الآية 26)، وقوله أيضا: ولا تفرحوا بما آتاكم (الحديد، الآية 23)، وقال: إنه كان في أهله مسرورا (الانشقاق: الآية 13).

 بل إن من أصناف هذا الفرح المذموم صورا ظاهرها محمود، كالفرح بنعمة الطاعة والانشغال بها عن المنعم. قال ابن عطاء الله في حكمه: “لا تفرحك الطاعة لأنها برزت منك وافرح بها لأنها برزت من الله إليك..”. قل بفضل الله وبرحمته، فبذلك فيفرحوا هو خير مما يجمعون (يونس، الآية 57). وهذا الملحظ في غاية النفاسة لأن الفرح بالمعصية وبالشواغل الظاهرة أمر جلي وباد، فيما حظ النفس في الفرح بالطاعة والوقوف عندها دون شكر المنعم والمتفضل بها، أمر خفي منه يتسرب العُجب والكبر المذمومان في صورة الفرح المحمود. وهو أمر يصعب علاجه، لقول صاحب “الحكم”: “حظ النفس في المعصية ظاهر جلي، وحظها في الطاعات باطن خفي، ومداواة ما يخفى صعب علاجه”.

الصورة الرابعة من نماذج الفرح المذموم ذاك “الفرح بمساءة المسلمين والاغتمام بسرورهم”، قال تعالى: إن تمسسك حسنة تسؤهم وإن تصبك سيئة يفرحوا بها (آل عمران، الآية 12). 

هذه بعض صور الفرح التي نهى عنها الشرع وحذر منها؛ لأنها صور لفرح النفس بنزواتها وبالأعمال التي زين لها الشيطان اقترافها. لكن ثمة صورا أخرى لفرح مطلوب ومرغوب، نقف ها هنا عند بعضها.

ب– من الصور الشتى للفرح المحمود المُرغَّب فيه الفرح بما أنزل الله تعالى، لقوله سبحانه: فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (التوبة، الآية 124)، وقوله أيضا: والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك (الرعد، الآية 36). ومنها الفرح بنصر الله، قال سبحانه: …ويومئذ يفرح المومنون بنصر الله (الروم، ص. 4-5). إلا أن الصورة الأجلى والأشمل في هذا الفرح والمُرغَّبِ فيها بصريح البيان، فهي الفرح بفضل الله ورحمته لقوله سبحانه: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا (يونس، الآية 57). وهو من “أفضل رتب الفرح” كما يذهب إلى ذلك سلطان العلماء العز بن عبد السلام. وعند هذا الوجه من الفرح المحمود سننزل ضيوفا متأملين. 

    فقد جاء في “الدر المنثور” للإمام السيوطي وفي غيره منقولا عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قوله: “فضل الله العلم ورحمته محمد صلى الله عليه وسلم ” . بل إن بعض العارفين يذهب إلى أنه عليه السلام الرحمةُ عينها، إذ لما كان سائر الرسل قد بُعثوا رحمة إلى أقوامهم؛ وكان صلى الله عليه وسلم قد فاقهم خَلقا وخُلقا وعلما وكرما؛ حتى استمدوا من روحانيته غرفا من البحر أو رشفا من الديم، كان عليه السلام هو “عينَ الرحمة” لقوله سبحانه ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ (الأنبياء، الآية 107) . من هنا وجب علينا الفرح والابتهاج والحبور بهذه الرحمة التي أهداها لنا ومَنَّ بها علينا الحق سبحانه. فقد قال أبو العباس المرسي في لطيفة نفيسة: «الأنبياء إلى أممهم عطية، ونبينا صلى الله عليه وسلم لنا هدية، وفرق بين العطية والهدية؛ لأن العطية للمحتاجين والهدية للمحبوبين، قال رسول الله(ص): إنما أنا رحمة مهداة».

ومن ثم فإن من أسطع الدلالات الساطعة للآية الكريمة الترغيبُ في الفرح بالمصطفى صلى الله عليه وسلم، من حيث كون الفرح شكرا للرحمن الرحيم على هذه الرحمة المهداة، وامتنانا وشكرا له سبحانه على هذه النعمة المسداة، فضلا عن كونه مجلى من مجالي محبة المصطفى بما هي فرض على الأعيان وشرط في الإيمان، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين»، بل حتى يكون المحبوب الأكرم عليه الصلاة والسلام أحب للمؤمن من نفسه، لقوله صلى الله عليه وسلم لسيدنا عمر لما أخبره: «أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، قال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال عمر: فإنه الآن لأنت أحب إلى من نفسي، فقال صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر».

فالفرح، إذن، بالرسول الأكرم بما هو شكر لله على نعمة البعثة المحمدية وبما هو تعبير عن محبة الجناب النبوي، هو من أرقى رتب الفرح المرغَّبِ فيه، لأنه يفضي إلى مختلف صور الفرح المحمود المشار إليه آنفا، فالفرح برسول الله صلى الله عليه وسلم يتضمن وجوبا فرحا بالآيات المنزلة عليه، وفرحا بما من الله عليه وعلى رسالته وعلى المؤمنين من تأييد ونصر؛ ثم إن الفرح به صلى الله عليه وسلم يصرف وجوبا عن كل صور الفرح المذموم، لأنه يصرف عن المعاصي بله الفرح بها، ويصرف عن كل ما يشغل عن الله بله الفرح بهذه الشواغل، ويجعل من شروط صدق هذا الفرح، الاقتداء والائتساء بالمفروح به الذي علم أهل الإيمان أن يحب المؤمن لأخيه ما يحبه لنفسه، فكيف أن يفرح بمساءته ويغتم بسروره.

هكذا يصبح الفرح برسول الله صلى الله عليه وسلم سيدَ الأفراح المحمودة، فهو يستجلب فرح المصطفى  لقوله عليه السلام للشيخ أبي موسى الزرهوني لما رآه في المنام- و رؤيته في المنام حق بصحيح وصريح الحديث الشريف- وذكر له ما ينكره البعض من أمر الاحتفال بمولده؛ قال له تلك الكلمة النبوية الذهبية التي سرت في أوصال العاشقين وتخللت دماءهم الممزوجة بالحب المحمدي:”من فرح بنا فرحنا به”. والفرح يشرف بشرف المفروح به كما قال العز بن عبد السلام رحمه الله، وأي فرح أشرف من الفرح بسيد الخلق، لذا كان هذا الفرح قربة من القربات يثاب عليها المؤمن المحب أجزل الثواب ويرفع بفضلها إلى أعلى الدرجات؛ وكيف لا وقد خُفف العذاب عن كافر بسبب فرحه بولادة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فما بالك بالموحد المحب. فقد روي عن أبي لهب أن العباس بن عبد المطلب رآه في المنام بعد مماته فسأله عن حاله، فقال له: “لم ألق خيرا بعدكم غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة[الأسلمية جاريته]، وإنه ليخفف عني في كل ليلة اثنين” ، ذلك أنها بشرته بولادة النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا كان هذا حال الكافر الذي لا تنفعه طاعة أو خير مع كفره حيث يخفف عنه إكراما له لفرحه بولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما بال المسلم المؤمن الموحد المحب لجناب خير خلق الله. وإلى هذا المعنى اللطيف والنفيس أشار الحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين المشقي في هذه الأبيات البديعة لما قال:

إذا كان هذا كـافرا جاء ذمُّـه   *    يثبت يداه في الجحيم  مخلَّدا

أتى أنه في يوم الاثنين  دائمـا   *    يُخفَّف عنه للسرور بأحمَـدا

فما الظن بالعبد الذي كان عمره   *    بأحمد مسرورا وبات مُوَحِّدا

هذا المعنى ذاته في تمجيد عيد المولد وتعظيم شأنه وشأوه تشير إليه وتزكيه حكاية دالة جرت بين العالم والصوفي الكبير ابن عباد الرندي والعارف الصالح سيدي أحمد بن عاشر دفين سلا؛ «فقد ذكر ابن عباد رحمه الله ونفع به أنه خرج في يوم ميلاده عليه السلام إلى خارج البلاد، فوجد الولي الصالح الحاج ابن عاشر رحمه الله مع جماعة من أصحابه، فاستدعوه لأكل الطعام، قال فاعتذرت بأني صائم فنظر إلي الشيخ نظرة منكرة، وقال لي: إن هذا اليوم يوم فرح وسرور، فلا يستقيم فيه الصيام لأنه يوم عيد»

بل إن الابتهاج بمولده جعل الكثير من العلماء والعارفين يفضلون ليلة ميلاده على ليلة القدر حتى إن أبا عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق ألف رسالة في إثبات ذلك سماها: “جنا الجنتين في فضل الليلتين” آثر فيها ليلة المولد على ليلة القدر من إحدى وعشرين وجها.

هكذا إذن تتجلى المنزلة الرفيعة التي يتبوأها الفرح برسول الله صلى الله عليه وسلم لدلالته على الشكر وعلى المحبة وعلى الاقتداء؛ دلالة يقترن فيها التعلق بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم والإقبال على سيرته والتمسك بشريعته، ببهجة التعلق والإقبال والتمسك، وفي ذلك دليل على صدق الإيمان لاقتران الاتباع بالمحبة. إذ الاتباع من لوازم المحبة، وليس كل اتباع عنوانا عليها. ذاك معنى دقيق انحجب عن بصيرة بعض من قرأ ولم يفقه أحد أسرار قوله تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم (آل عمران: 31).

في ضوء هذا الإدراك لدلالة الفرح برسول الله صلى الله عليه وسلم –وهي دلالة سامية تمثل واحدة من دلالات مقام الفرح بالله سبحانه ، سنقارب صورة من صور فرح المغاربة برسول الله صلى الله عليه وسلم. وهي صورة ذات أبعاد أدبية وفنية واجتماعية. ويتصل الأمر بمظهر عنايتهم بالمدائح النبوية من حيث هي باب من أبواب الأدب وفن من فنون القول والإنشاد ترسخ في الذاكرة والوجدان المغربيين حتى أضحى عنصرا رئيسا وعلامة لامعة ضمن عناصر وعلامات الهوية الثقافية الإسلامية المغربية، والتي ساهمت عبر التاريخ -وما تزال- في تحقيق التلحيم الروحي للمجتمع المغربي. فكيف عبر المغاربة عن فرحهم برسولهم عليه السلام من خلال تعاملهم مع المدائح النبوية؟

3- المدائح النبوية لدى المغاربة: وهج أفراح وبلاغة إفصاح

نعني بداية بالمدائح النبوية ذاك الباب من النظم الذي افتتحه بعض الصحابة وخصوصا الشعراء منهم مثل كعب بن مالك وكعب بن زهير وحسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة، والذين تولوا إبراز قيم الدعوة الإسلامية وعظمة رسالتها ومكارم المبعوث بها والذود عنها ضد أهل الشرك والكفر والضلال. وقد تطور هذا الباب عبر مراحل الدعوة ثم في العهود اللاحقة وتوسعت أغراضه واغتنى ديوانه وازداد شعراؤه إلى أن استوى على ساقه واكتملت ملامحه، وتميزت معالمه واستقرت عناصره ومكوناته خلال القرن السابع الهجري، خصوصا مع إمام المادحين لرسول الله صلى الله عليه وسلم الشاعر المصري مثوى ومولدا، الصنهاجي أصلا ومحتدا، شرف الدين محمد البوصيري (تـ.631هـ/1233م). ومع أن متونا مديحية أساسية كانت قد وجدت لها موطئ قدم في المغرب ممثل “بردة” كعب بن زهير المعروفة بـ”الكعبية” والتي مطلعها:

بانت سعاد فقلبي اليوم مقبول     *   متيم إثرها لم يفد مكبـول

وكذا لامية عبد الله بن يحيى الشقراطيسي التزري (تـ.466هـ/1073م) المعروفة بالشقراطيسية، ومطلعها:

الحمد لله منا بـاعث الرسل      * هدى بأحمد منا أحمد السبل

مع شيوع هذين المتنين المديحيين الأساسين في المغرب، فإن “بردة” الإمام البوصيري و”همزيته” قد حظيتا بأبرز حضور وأشهر تداول وأوسع عناية. وذلك لما امتازتا بهما من مزايا روحية جمالية شعرية ولاتصال سند صاحبهما بالمشرب الشاذلي المتدفقة أصوله وأسراره من جبل العلم بالمغرب، ثم لتزامن دخول القصيدتين للمغرب مع سن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف مع العزفيين في سبتة ثم عمر المرتضي الموحدي ليصبح عيدا رسميا للدولة المغربية مع المرينيين كما مر معنا. ومعه زاد امتداد حضور القصيدتين وشاع إنشادهما وتداولهما لدى الخاص والهام، ليصبحا من لوازم المنشدات الرسمية في الحفلات السلطانية خلال عيد المولد مع المرينيين والسعديين ثم العلويين، ومازال شأنهما، رفيعا وحضورهما لامعا سواء في المجالس السلطانية أو في مختلف الاحتفالات الدينية التي تقيمها الزوايا أو تحيى في البيوتات الخاصة في مختلف المناسبات.

هذا الحضور العام للقصيدتين ضمن ديوان الإنشاد بمناسبة المولد النبوي الشريف وازاه و واكبه اهتمام علمي وأدبي بهما، فقد حظيتا بعدة شروح ووضعت عليهما جملة من التقاييد، بل كانتا تدرسان وتشرحان لعموم الناس في مساجد شتى من المملكة؛ وخصوصا في الأيام الأحد عشر من ربيع الأول من كل سنة، أما الأدباء فقد خمسوهما وشطروهما وسبعوهما وسمطوهما وعارضوهما مما أثمر لنا خزانة ثمرة في المحاورة الأدبية المغربية لقصيدتي البردة والهمزية.

بل إن عناية المغاربة بهما اتخذت أبعادا حضارية أرحب، حيث زينت بأبيات منهما كثير من القباب والمحاريب والأبواب والأقواس بالبيوتات والمساجد والزوايا والمزارات، كما ضربت وسكت بأبيات من البردة العملة النقدية المغربية في بعض الفترات، كما هلل بهما المهللون فوق المآذن، وحليتا ببديع الأنغام ورفيع الألحان لتنشدا في جلسات المديح وحِلَق الأذكار بالمساجد والزوايا والبيوتات الخاصة، حتى ظهرت لنا مدارس في إنشادهما اختص بها المغرب وتنافست فيها مدنه وزواياه عناية بهما وترسيخا لمعانيهما النبوية النفيسة في النفوس والأفئدة. فظهرت مثلا مدرسة خاصة في تلاوة البردة بفاس سميت على غرار ما جرى به العمل في الفقه بـ”العمل الفاسي”؛ ويعنون به الطريقة الفاسية في تلاوة البردة وتنغيمها، لتبرز بعد ذلك نماذج تحاكي هذا العمل، منها، تمثيلا، “العمل الوزاني”، و”العمل التطواني”، و”العمل السلوي” و”العمل الرباطي” و”العمل السوسي”..، والأمر نفسه شمل متن الهمزية، فظهرت “الهمزية الريسونية” و”الهمزية الحراقية”… وغيرهما، وتشير هذه الاصطلاحات الفنية إلى الأسلوب الترنيمي الخاص بهذه الزوايا في تلاوة وإنشاد متن الهمزية.

هكذا نلاحظ أن المغاربة وتعلقا منهم بالجناب النبوي الشريف، اعتنوا بهذين المتنين باعتبارهما سيرة نبوية منظومة، وهذه العناية هي فقط النموذج الأبرز لاحتفائهما بالمدائح النبوية.

النموذج الشعري الثاني الذي نستحضره في هذا السياق بعد قصيدتي البردة والهمزية البوصيريتين، هو متن شعري مديحي غاية في التميز ويعرف بـ”الوتريات البغدادية”. وهي قصائد من بحر الطويل أنشأها أبو عبد الله محمد بن أبي بكر رشيد الوتري البغدادي (تـ.663هـ/1264م)؛ وهو فقيه شافعي يذكر أن أصله من كتامة بالمغرب. يبلغ عدد هذه القصائد تسعة وعشرون قصيدة نظمها على حروف المعجم، كما جعلها وترية بحيث تضم كل قصيدة واحدا وعشرين بيتا، التزم فيها بافتتاح الأبيات بحرف مطابق للروي، مثال ذلك مطلع القصيدة الأولى وهي على حرف الألف:

أصلي صلاة تملأ الأرض والسما   *    على من له أعلى العلا متبـوأ

وهذا مطلع القصيدة الأخيرة على حرف الياء:

يسود الورى من كلم الله في السما   *   وقام بساق العرش يستمع الوحيا

وعلى غرار عناية أهل المغرب المتميزة بالبردة والهمزية، محضوا هذه الوتريات عناية مثيلة تضارعها في النوع وتقل عنها في الدرجة، حيث عارضوا هذه الوتريات وخمسوها وشرحوها ولحنوها واعتنوا بإنشادها خصوصا في المدرستين الإنشاديتين الريسونية والدلائية الحراقية الرباطية. وتحضر هذه القصائد بشكل ألمع وأبرز في الاحتفال بالمولد النبوي إذ يزاوج إنشادها بإنشاد البردة والهمزية البوصيريتين، مع توريق كتاب “الشفا” للقاضي عياض، وذلك ابتهاجة بولادة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

وإلى جانب عناية المغاربة بهذه المتون لفرحها بالرسول صلى الله عليه وسلم وتعبيرها عن حبه والتعلق بجنابه مع استحضار شمائله ومعجزاته ومكارمه ومحطات سيرته والتشويق إلى زيارته ثم الاستشفاع به، وذلك في حلة شعرية حازت من البها ما يأسر النفوس ويتلف النهى، وزادها بهاء جمالية الترانيم وعذوبة الأصوات وإهاب مجالس الإنشاد وروحانيتها؛ إلى جانب هذه المتون ظهرت هناك نصوص نثرية تروم ذات المنحى مثل “الموالد النثرية” ومتون خاصة بالصلوات النبوية مثل كتاب “دلائل الخيرات” لسيدي محمد بن سليمان الجزولي أو “ذخيرة المحتاج” لسيدي محمد بن المعطى الشرقي، ونصوص شعرية مفردة سواء أكانت من الفصيح الموزون أم الموشح أم الزجل أم الملحون، وسواء بالعربية أو الأمازيغية أو الحسانية. ولم يكتف المغاربة بالنظم والقرض بل اعتنوا بكل النصوص مشرقية كانت أو مغربية توافرت فيها شروط التعبير، وكذا استثاره الفرح بالرسول صلى الله عليه وسلم، مما أغنى ذخيرة أهل المغرب في ديوان المديح النبوي الشريف متونا وألحانا وألوانا؛ وهي جميعها تتغيى زرع محبة المصطفى في الأفئدة والقلوب وترسيخ مكانة الرسول كقدوة وأسوة باعتباره “الإنسان الكامل” والنموذج الأمثل “للرحمة الإلهية”؛ لأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم. وبهذا الاعتبار ساهمت المدائح النبوية في التعبير عن فرح المغاربة بنبيهم، فرحا دائما أبديا، إذ هو عنوان محبتهم له ولآل بيته، والمحبة مفتاح الاقتداء الفَرِح بالمحبوب، والتمسك الصادق بسيرته وسنته وشريعته.

 لذا علينا إحياء هذه المعاني لإنصاف أجدادنا، والاعتراف بما قاموا به في سبيل صياغة وصيانة الهوية الإسلامية للشخصية المغربية، والعناية بما توسلوا به في ذلك من وسائط ثقافية وجمالية واجتماعية غاية في النبل والأصالة ساهمت في تلحيم المجتمع وتمتين وحدته المذهبية و حماية أمنه الروحي، وأسهمت بقوة في  تشكيل الوجدان الجمعي المغربي، وبناء  وصون وحدة الأمة.  ثم إن إحياء تلك المعاني يقتضيه اليومَ، وأكثر من أي وقت مضى، واجب المحبة النبوية؛ وذلك من أجل إبراز عالمية الرحمة المحمدية، وتعريف العالمين بمكارم وكمالات النبي صلى الله عليه وسلم وكونية القيم التي جاء بها هديُه مما يجهله أو يتجاهله “المستهزؤون”، فضلا عما تقتضيه تلك المحبة و تستلزمه أيضا من ترشيد في سلوك مُدعيها حتى يتوافق مع سلوك المحبوب وهديه، وتصح بذلك دعوى المحبة فتترك أحسن الأثر وأبلغه في من لا يقرؤون تعاليم نبي الإسلام إلا في ممارسات وأخلاق أتباعه. 

تلك بعض الإضاءات التي من شأنها أن تحفزنا على مزيد فرح برسول الله صلى الله عليه وسلم، متخذين من سيرة وهدي ومنهاج المفروح به نبراسا يبدد قلقنا، ويؤنس وحشتنا، ويضيء عتماتنا، وينير سبلنا، ويجدد ثقتنا بأنفسنا للسير على هدى في زمان تحاصر المسلمين فيه أسئلةٌ محيرة، ويكاد يُطوقهمُ الضلال من صوب.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى