
عبد اللطيف البكدوري الأشقري
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وآله وصحبه أجمعين, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
الكلام في موضوع صيغ الصلوات على النبي صلى الله عليه وسلم واسع جدا, ولا يمكن أن نعطيه حقه في صفحات محدودة ومعدودة , ولكن الذي أروم وأجنح إليه هو ألا ألقي عليكم معلومات, ولكنني سوف أشير إشارات إلى بعض القضايا إن شاء الله تعالى لعل الله أن يجعل فيها نفعا .
من خلال الحديث الدائر و الأسئلة المطروحة وما نسمعه دائما في المجالس المختلفة, بحكم تتبعنا للشأن واشتغالنا فيه, ألاحظ وجود إشكال كبير في أذهان الناس وفي عقولهم ومعلوماتهم؛ إشكال خطير لأنه مرتبط بقلوب الناس أيضا؛ إشكال يتعلق بالاعتقاد .
فبمقتضى قولنا لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم, يترتب عنه إ يمان جازم اليقين بمسائل متعددة منها كون النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق, قال صاحب اللقاني في “جوهرة التوحيد”:
و أفضل الخلق على الإطـــــــلاق ٭ ٭ ٭ نبينا فمل عن الشــــــقاق
إذا كان بعض المسلمين يتساءلون هل رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر أم غير بشر ؟ هل هو أفضل البشر ؟ فقضية البشرية عند النبي صلى الله عليه وسلم شيء محسوم مقطوع به , لكن هل هو خير البشر ؟ هل هذا التفاضل جائز بين البشر ؟ هل هو أفضل النبيئين ؟ فإن أهل السنة قديما قطعوا وجزموا واتفقوا وأجمعوا على أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق.
بمعنى أفضل من كل ما خلق الله من البشر والإنس والجن والملك والسماء والأرض وغير ذلك؛ فكل شيء خلقه الله وكل شيء الله ربه فالنبي صلى الله عليه وسلم أفضل منه, و تأمل قول الله تعالى : « و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين » كما قال : « الحمد لله رب العالمين ».
قال : « وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين » فكل شيء الله ربه وخلقه فالنبي صلى الله عليه وسلم رحمة له, فإذن هذه المسألة لا ينبغي أن تكون محل نقاش بين المسلمين المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة؛ لأنها قضية محسومة , وهي مما يعلم من الدين ضرورة فلا يجوز أن يجهلها أحد لأنه لا يعذر فيها بجهل , فإذن لا بد من الاعتقاد في جناب النبي صلى الله عليه وسلم أنه أفضل الخلق بالإطلاق .
أما قضية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم, فهذه مسألة واضحة وضوح الشمس لأن القرآن العظيم أمر بها في قوله تعالى : « إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما …. ». هنا لن أعرج على النصوص الكثيرة وما قاله العلماء في شرح النصوص , ولكن أثير مسألة واضحة وهي أن الصحابة, رضوان الله عليهم, على علو مقامهم وفهمهم و إدراكهم لما نزل قول الله تعالى وهذا الأمر من الله سبحانه و تعالى ” صلوا عليه وسلموا تسليما “, احتارت عقولهم في المسألة فلجؤوا إلى السؤال للنبي صلى الله عليه وسلم , قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أما السلام عليك فقد عرفناه؛ لأنه كان علمهم أن يقولوا في تشهدهم : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته , فكيف نصلي عليك ؟ فهذه مسألة حقيقة من وقف عندها يحار فيها عقله , كيف يصلي الإنسان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المعنى , مضمنه أنه لا يمكنكم أن تصلوا علي وأنتم عاجزون وقاصرون عن ذلك, وإنما غاية ما في مقدوركم أن تسألوا الله أن يصلي علي , فالمصلي ليس هو الإنسان الناطق بالصلاة عليه وإنما غاية ما يستطيع الإنسان أن يتوجه إلى الله طالبا داعيا منه أن يصلي على رسوله صلى الله عليه وسلم , فالإنسان عاجز عن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم , هو قولنا “اللهم صل” معناه , وهل نحن المصلون ؟ لا , نحن نطلب من الله ونسأله أن يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكيف يصلي الحق سبحانه على نبيه صلى الله عليه وسلم ؟ وهذا سر من أسرار الحق سبحانه وتعالى , ليس للعقول المقدرة على إدراكه , لأنه لا سبيل للإحاطة بأوصافه سبحانه وتعالى على الحقيقة , ولذلك لا نعرف كيف يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم , فهو سر من أسرار الله تعالى, وان كان العلماء جنحوا إلى شرح هذا وتقريبه إلى الفهم فقالوا : الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من الله الرحمة والتعظيم وكذا وكذا … و إلا ففي العمق , هذه مسألة تقريبية وإلا فإن كيفية صلاة الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كيفية صلاته على المؤمنين في قوله « هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور … », هذه مسألة لا تدرك على الحقيقة , و إنما علمها عند الله تبارك وتعالى , ورتب الشرع جزاء على هذه الصلاة ؛ أي على طلبنا الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله تعالى صلاة الله علينا , وهذه أيضا مسألة تحار فيها العقول فما رتب الشرع على طلب الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حسنات كما في كثير من الأمور كما مثلا في تلاوة القرآن وفي الصدقة وفي الصـــلاة وغير ذلك وإنما قــال النبــي عليه الصلاة والسلام:« من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا », وصلاتنا على النبي صلى الله عليه وسلم كما أشرت , هي طلبنا من الله أن يصلي عليه صلى الله عليه وسلم. فإذا طلبنا من الله أن يصلي على رسوله مرة فان الله تعالى يصلي على رسوله ويستجيب لنا قطعا. وهذه مسألة سنراها قريبا, ولكن يجازينا ويكافئنا بصلاته علينا عشر مرات , وكيف صلاة الله على عباده , هذه مسألة محجوبة عنا , قال الإمام تاج الدين ابن عطاء الله في الحكم »: إذا صلى الله عليك صلاة واحدة كفاك بها هم الدنيا والآخرة فكيف إذا صلى عليك عشرا « , لان أنت تصلي من حيث كونك عبدا عاجزا فقيرا فلا تملك إلا أن تطلب الله صاحب الشأن أن يصلي, وأما الله تعالى إذا صلى فانه يصلي من حيث كونه ربا خالقا قديرا يملك خزائن كل شيء, وشتان بين هذا وذاك, فالناس خاضوا وأضاعوا الحبر والمداد والأوقات والأوراق في قولهم : هل هذه الصيغة التي جاءت في هذا الحديث تقتصر عليها ولا تتعدى إلى غيرها ؟ هل نقول اللهم صل عل محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم , ونقف عندها ولا نستعمل أي لفظ آخر أم لا ؟ لا شك أن جمهور العلماء قالوا بالجواز , والإمام الحافظ ابن حجر مثلا- لكي نقتصر بذكره هو فقط دون غيره- وإلا فإن الكلام في هذا طويل الذيل – لما تكلم في باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من الصحيح, وذكر هذا الحديث, وفي معرض شرحه وتناوله الحديث قال من جملة كلام طويل وأنقال كثيرة قال : ذهب الجمهور – هذا لفظه – قال : « ذهب الجمهور إلى اجتزاء أي لفظ يؤدي المراد من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم , وهذا هو قول الجمهور , طيب , بقي الناس يقولون : هل نقول : اللهم صل على سيدنا محمد أو نقول اللهم صل على محمد , هذه مسألة محسومة شرعا وطبعا وعقلا , فالنبي صلى الله عليه وسلم سيد وكيف يتصور من إنسان يشهد ألا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله , ولا يرضى أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم سيده . قضية اللفظ مسألة قد يكون فيها خلاف قديم , قاله العلماء , و حسمه العز بن عبد السلام سلطان العلماء فقال : الأمر عندنا في هذه المسألة أن يقال ما هو الأولى , هل هو التقيد بالنص أو لزوم الأدب قال : والذي عندنا أن لزوم الأدب أولى من التقيد بالنص, وساق لذلك أمثلة وشواهد كثيرة. ثم إنه جاء في الأحاديث الصحيحة المتعددة ألفاظ أخرى للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم جمعها الإمام النووي في” شرح المهذب” في جملة وقال : أن الأولى أن يجمع الإنسان ما جاء في الروايات الصحيحة فيقول : اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آله وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم …. إلى آخره . لكن هذه المسألة إذا تأملها المتأمل يجد أن هذا الكلام الدائر على صيغ الصلوات على النبي صلى الله عليه وسلم لا طائل تحته من حيث اللفظ , لماذا لأنه في الحقيقة لا توجد صيغ للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يوجد لفظ :” اللهم صل على محمد” وما يقال بعده كله إنما هو أوصاف ومدح وذكر أسماء للنبي صلى الله عليه وسلم لا غير . إذا قال اللهم صل على سيدنا محمد هذا هو المقصود و هو المطلوب ومن بعد قال : النبي الأمي , هذا وصف من أوصافه عليه الصلاة والسلام الوارد , أو قال اللهم صل على سيدنا محمد نبي الرحمة , هذا وصف له عليه الصلاة والسلام , أو قال اللهم صل على سيدنا محمد صاحب المعراج هذا من أوصافه عليه الصلاة والسلام, أو قال اللهم صل على سيدنا محمد هادي الأمة , هذا من أوصافه وهكذا , فكل هذه الصيغ إنما هي صيغة واحدة يزيدون فيها من أوصافه وأسمائه وخصائصه من الأمور التي تدل على تعظيم في جناب النبي صلى الله عليه وسلم .
هذه الصيغ للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة متعددة إن سلمنا أن هناك صيغا مختلفة, لأن مضمونها واحد ومدارها على شيء واحد.
المغاربة من أسلافنا الصالحين رضوان الله عليهم تفننوا في هذه الألفاظ التي استعملوها للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم نظما ونثرا , والكلام في هذا الباب لا يمكن حصره في زمن معين لأن نتاج المغاربة في ذلك لا يحصى ولا يحصر والأمثلة مثلا : عندنا كتاب “دلائل الخيرات وشوارق الأنوار” للإمام الجزولي” , عندنا كتاب عظيم ضخم جدا وهو الذي حاولت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مؤخرا طبعه, وهو كتاب : ” ذخيرة المحتاج ” ؟أو كما في بعض المصادر عنوانه : ” ذخيرة الغني والمحتاج في الصلاة على صاحب اللواء والتاج “لسيدي المعطي بن الصالح الشرقي رضوان الله عليه , هذا الكتاب كتاب نفيس جدا فيه من العلوم والأنوار ما تحار فيه العقول, لكن الكتاب فيه لغز لأنه في الحقيقة لم نعرف حتى الأجزاء الكاملة لهذا الكتاب . الآن الذي تحصل لدينا بعد الاستقصاء والبحث في الخزانات الخاصة والعامة اننا جمعنا نحوا من أربعة وخمسين جزءا , لكن كثير من الدارسين ذكروا أن فيه ستين جزءا, وقيل ثلاثة وستين جزءا وأوسع ما رأيت في ذلك , هو ما ذكره الفقيه العلامة القاضي السيد أحمد اسكيرج في بعض كتبه قال : آخر ما رأيت من الذخيرة الجزء الواحد والثمانين.
فإذن الإشكال الحاصل في هذا الكتاب أنه كتاب ضخم, وتعرفون أن الكتاب إذا كان ضخما متعدد الأجزاء فان نسخه تكون قليلة نظرا لكون الناس قديما كانوا ينسخون الكتب بأيديهم ولم تكن هذه الآلات المصورة للكتب فكان من المشقة أن ينسخ الكتاب كاملا فلذلك تكون النسخ غير متعددة وغير كثيرة؛ و أيضا لأن المؤلف لم يضع ترتيبا ولا ترقيما لهذه الأجزاء, فلا نعرف الجزء القبلي من الجزء البعدي إلا إذا كانت إشارة في مقدمة الكتاب أو خاتمته كأن يقول مثلا : ذكرت في الجزء الذي قبل هذا أو سأذكر في الجزء الذي بعد هذا أو شيئا من هذا القبيل, وإنما هذه الأجزاء جعلها مواضيع كل جزء في موضوع, فتجد جزءا في زيارة النبي صلى الله عليه وسلم, وتجد جزءا في الحج وتجد جزءا في المعراج, وهكذا. وهذا الكتاب فيه سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وخصائصه و دلائل النبوة وغير ذلك من كثير من أمور العلم ولكنها مدبجة بالصيغ للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم, كلها فيها أوصاف , فتجد الكتاب من أوله إلى آخره يقول فيه المؤلف مثلا : اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد الذي كان من شأنه كذا وكذا … أو الذي فعل كذا وكذا … أو الذي قال كذا وكذا … ويذكر مسألة من مسائل السيرة أو غيرها ثم يقول : “فصل اللهم وسلم عليه وعلى آله صلاة تفعل لنا بها كذا أو تعطينا بها كذا …” والكتاب كله في هذه الأجزاء كلها على هذا النحو. فهذا من الكتب النفيسة الجليلة الجامعة لكثير من صيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وهناك كتب أخرى كثيرة متعددة . وحاول الإمام النبهاني أن يجمع جوامع هذه الصيغ في كتاب في جزأين سماه “أفضل الصلوات على سيد السادات” وهو مطبوع.
ومن المتأخرين المغاربة الذين جمعوا من هذه الصيغ أشياء كثيرة , السيد محمد بن عبد الواحد النظيفي المراكشي في كتاب سماه” الطيب الفائح والورد السانح في صلاة الفاتح”.اقتصر فيه على صيغ مضافة إلى صيغة “الفاتح لما أغلق” المعروفة المشهورة , هذه الصلاة أيضا في حد ذاتها فيها إشكال؛ المتأخرون من الناس ينسبونها لسيدي احمد التيجاني خطأ وكأنه هو الذي وضعها, أو هو الذي نسجها, بينما هذه الصيغة للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقوله, اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق إلى آخره … هي قديمة جدا قبل الشيخ سيدي أحمد التيجاني بقرون وهي منسوبة إلى سيدنا علي كرم الله وجهه , وقد رواها القاضي عياض في “كتاب الشفا “بسنده إلى سيدنا علي كرم الله وجهه. فإذن ليس هناك تلازم بين هذه الصلاة وبين طريقة من الطرق كما يتوهم الناس, وإلا فإن تلك الكرامة العظيمة التي رويت لهذه الصلاة إنما وقعت للقطب سيدي البكري الصديقي نزيل مصر صاحب الطريقة الخلواتية في كرامة لا نطيل بذكرها الآن , ثم هناك صيغ أخرى متعددة للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .
بيد أني أعود وأقول, أنني لا أقول بوجود صيغ وإنما صيغة واحدة تعددت ألفاظ ما أضيف إليها من أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم, أو من السؤال كأن يقول : اللهم صل على سيدنا محمد صلاة تنجينا بها من جميع الأهوال والآفات …. فهذا دعاء جاء بعد الصلاة على النبي الله صلى الله عليه وسلم متوسلين في قبوله بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقد جعل المغاربة اصطلاحا لهم في تآليفهم وكتب رسائلهم بأن يفتتحوها بقولهم :بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه , هذه مسألة يمكن أن تكون مناسبة أخرى للتوسع فيها .
أيضا المغاربة كانوا دائما يستشعرون على أنهم ثغر من ثغور الإسلام ولذلك كان لهم أمران ركزوا اهتمامهم عليهما, الأمر الأول هو القرءان العظيم, فلذلك كانوا يقرؤون القرءان صباح مساء وأطراف النهار فرادى وجماعات ويركزون عليه إذ ببقاء القرءان وترسيخه في الناس وتحفيظ القرءان للناس يبقى الإسلام , هذه المسألة مرتبطة بالله تعالى وبكلام الله وبالتشريع . والأمر الآخر هو الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في منظومة من أعمال أخرى كثيرة متعددة اهتموا فيها لشأن النبي صلى الله عليه وسلم وجعلوا الصلاة عليه الصلاة والسلام في صميم وفي عمق هذا الاهتمام وتجد في هذه الصيغ والألفاظ التي استعملوها مسألة مهمة وهي قضية تثبيت العقيدة , إذا قال احدهم , اللهم صل على من كان إذا تكلم كفى وإذا صاحب صفى وإذا عاهد وفى … فإنه يثبت في عقول الناس وأذهانهم وقلوبهم ما أوجب أهل السنة من وجوب اعتقاد الأمانة في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام, وهكذا فتجد في كثير من الصيغ تثبيتا لعقيدة الناس على مسألة معينة نص عليها العلماء ولا سيما أهل السنة و الجماعة أو جعلوا الناس يستأنسون بذكر أسمائه عليه الصلاة والسلام, فتجد هذه الصيغ تعدد أسماءه , واحد يقول : اللهم صل على الزمزمي , وواحد يقول اللهم صل على الهاشمي وواحد يقول اللهم صل على عين الرحمة , وواحد يقول اللهم صل على كاشف الغمة وواحد يقول اللهم صل على سيدنا محمد النبيء الذي تنحل به العقد وتنفرج به الكرب , وكل هذه أسماء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأوصاف له عليه الصلاة والسلام وجعل المغاربة من شأن صلاتهم على النبي صلى الله عليه وسلم شغلا يوميا دائما كالنفس.
الصلاة على النبي بالنسبة للمغاربة هي كالنفس الذي يتنفسونه فكنت تجد العلماء لا يستفتحون دروسهم إلا بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم, وأنا أذكر في وقت الطلب والصغر عندما كنا نجلس إلى الشيوخ دائما كان الفقيه العالم الذي يلقي الدرس إذا ختم درسه قال الحمد لله رب العالمين, في تلك الساعة الطلبة الحاضرون في المجلس جميعا يقولون بصوت واحد : محمد بشر لا كالبشر بل هو كالياقوت بين الحجــــر
وإنما نسبته بين الحجر كنسبة ما بين الياقوت والحجر
صلى الله عليه وسلـــــم وشرف وكرم ومجد وعظــــــــم
هذه كانت أشياء مألوفة وعادية.
وكان المغاربة إذا أعرسوا يصلون على النبي, إن طلبوا العلم يصلون على رسول الله , إذا كانوا في جنازة يصلون على رسول الله , إذا احترفوا مهنة يصلون على رسول الله , فتجد الصناع والحرفيين إنما يشتغلون ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم؛ بل إن المرأة في مطبخها لا تضع دقيقا في قصعة ولا ملحا في دقيق إلا إذا صلت على النبي عليه الصلاة والسلام ولهذه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وببركة أنفاسها شيدوا مدنا وقلاعا وبنوا هذه المعالم الضخمة العظيمة.
مؤخرا والشيء بالشيء يذكر كنت أذاكر بعض المتخصصين من البنائين , وكان رجل بناء قديم فقلت له كيف في تلك الصناعة القديمة كنتم تتغلبون على مشكل تسرب الماء إلى البناء , ما هي طبيعة المواد التي تستعملونها فقال لي : نضع الحجر مع الرمل ثم نضعه بتفريشات كل واحدة أشد غربلة من الأخرى حتى تكون في النهاية, فنضع الرماد ويكون ممزوجا بالماء ونأمر العمال أن يدكوا كل هذا حتى يخرج منه كل شيء من الهواء, وعندما يدكون هذا البناء يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم , فقلت إذن فهمنا القضية , الشأن في الصلاة على النبي صلى الله غليه وسلم وليس في المواد التي كنتم تستعملونها , فكان معلم الفران لا يقلب الخبزة الا إذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فهذه مسألة حقيقة تحار فيها العقول, كيف أسلافنا أسسوا لهذه الأمور التي تهنا فيها ونبحث عنها , وتقول كيف تكون الأمة مرتبطة بنبيها عليه الصلاة والسلام ارتباط الناس بالرسول صلى الله عليه وسلم. لم يكن مسألة أكاديمية نبحث عنها في الكتب وفي الصيغ والكلام المنمق والكلام المسجوع وكذا… وإنما كانت من شأن جميع الناس , إ ذ كل المغاربة مشتغلون بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. واستسمح إن أطلت وكان لا بد من قولها جزاكم الله خيرا .
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .