سلايدرمقالات

المقام المحمدي ووقائع السيرة النبوية

 عدنان بن عبد الله زُهار

 الخُلق العظيم

إن الحديث عن رحمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يمكن أن نتجاوز فيه أو أن نرغب إليه دون المرور، بل الوقوف على المحطات القرآنية، التي أشارت إلى جميل صفاته وعلو أخلاقه وسعة رحمانية الله به بعبارات غاية في البلاغة وآية في الإبداع والفصاحة، وصِيغٍ مثالا في الإيجاز المتضمن لطائف الإعجاز، وأخرى نموذجا في التطويل المحتوي على ضروريات التفصيل.

 فمنها قوله تعالى كما (وإنك لعلى خلق عظيم) [القلم/4]، ومنها قوله تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) [الأنبياء/107]، ومنها قوله تعالى (والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى) [الضحى/1-2-3-4-5]، ومنها قوله عز وجل (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) [الأنفال/33]، وغيرها من الآيات التي دلت تصريحا وتلميحا إلى عظيم قدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسعة رحمته بالخلق عموما وبالمؤمنين خصوصا.

يقول سبحانه وتعالى (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم) [التوبة/128-129].

لننظر جميعا إلى هذه الآية نظرة تدبر وتأمل لاستخراج ما يفيد من مظاهر رحمة الله المهداة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

الناس لا يعرفون في الغالب عن سيدنا محمد إلا رسالته، وهي الصفة التي لزمته منذ أن نزل عليه الوحي وهو ابن أربعين سنة. أما نبوته فكانت صفة له قبل أن يخلق هيكله الشريف

1.وليَكُنْ أولَ ما يثير انتباهنا هنا هو أن الخبر الذي جاء في هذه الآية استأنفه الحق تعالى بقسم يدل على التوكيد وهو “لقد”، ومعلوم أن الصادق في نفسه لا يقسم ليُصدّق في خبره، بل يقسم ليؤكد على ما ينطوي عليه خبره.

وهو الحال هنا فإن الحق سبحانه وتعالى أصدق في وعده وخبره، وإنما أقسم هنا توكيدا على عظيم قدر المُخبر به هنا ولفتا للأذهان والأبصار والبصائر لعلو شأن المتحَدَّث عنه، وهو سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الرحمة المهداة.

  1. والمتأمل في هذه الآية خاصة يرى أن القرآن استعمل في هذا الخبر لفظة ل”رسول”بدل “لنبي”، واستعمال دقيق لمن عرف الفرق بين اللفظين في حقيقتي النبوة والرسالة.

 الناس لا يعرفون في الغالب عن سيدنا محمد إلا رسالته، وهي الصفة التي لزمته منذ أن نزل عليه الوحي وهو ابن أربعين سنة. أما نبوته فكانت صفة له قبل أن يخلق هيكله الشريف.

فقد روى الحاكم في “مستدركه”[1] مرفوعا: “كنتُ نبيا وآدم منجدل في طينته”، وفي رواية “وآدم بين الطين والماء” وفي أخرى “وآدم بين الروح والجسد”[2].

فهذا حديث يفيد أسبقية نبوته صلى الله على رسالته، ولذلك عبَّر القرآن عن أوليته باسم أحمد وعن آخريته باسم محمد، ولك أن تفهم بناء على هذا كيف أن سيدنا عيسى لما بشر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبر بأحمد كما في قوله تعالى (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) [الصف/5].

 

حرص النبي “ص” على أمته وعلى غيرها شمل كل جانب من جوانب سعادة البشرية، فاشتغل به النبي صلى الله عليه وآله وسلم واهتم له وحرص عليه، ولنذكر هنا صورا من حرصه على الناس عموما وعلى المؤمنين خاصة

شمولية كل جوانب سعادة البشرية          

ويدل على أن النبوة سابقة وعلى أن الناس لا يعرفون حقيقتها الغيبية وأسرارها المعرفية، ما جاء في “صحيح” البخاري[3] أن سيدنا البراء بن عازب لما دعا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: وبرسولك الذي أرسلت. قال له المصطفى عليه السلام: بل قل: بنبيك الذي أرسلت.

فلما كان الموضوع المخبر به هو مجيء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة والشريعة عبر عنه في آية الموضوع بما يعرفه الناس عنه وهو رسالته فقال (جاءكم رسول).

  1. قوله (من أنفسكم) أي من جنس البشر، وإنما كانت بعثته لهم ولغيرهم إشارة إلى تفضيل الجنس البشري على غيره من الأجناس. وقد قرأ ابن عباس وابن محيصن والزهري[4] (من أنفَسكم) من النفاسة؛ أي من خيركم قبيلة وأسرة، كما ورد في الصحيح[5] عن واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى بني هاشم من كنانة واصطفاني من بني هاشم واصطفى قريشا من بني هاشم فأنا خيار من خيار من خيار”.
  2. قوله تعالى (عزيز عليه ما عنتم) أي أن كل ما يشق على أمته شاق عليه هو أيضا، وما ذلك إلا لمزيد رحمته وواسع رأفته بأُمته، بل بغيرها من الأمم، بل إن رحمته وسعت الكل، بما في ذلك الدواب والبهائم.

 فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم مُنَبّها على عظيم جُرم المؤذي هرة: “دخلت النارَ امرأةٌ في هرة، حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض”[6].

5.(حريص عليكم)، فهذه الكلمة هي التي جمعت معاني الرحمة المهداة في جناب الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم، فإن حرصه على أمته وعلى غيرها شمل كل جانب من جوانب سعادة البشرية، فاشتغل به النبي صلى الله عليه وآله وسلم واهتم له وحرص عليه، ولنذكر هنا صورا من حرصه على الناس عموما وعلى المؤمنين خاصة.

يا رب أمتي أمتي                          

حرصه على إنقاذ أمته يوم المحشر، فقد روى البخاري في “صحيحه”[7] عن أبي هريرة قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة فقال أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون بما ذاك ؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب مالا يطيقون ومالا يحتملون فيقول بعض الناس لبعض ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض ائتوا آدم فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا في ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض وسماك الله عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي اذهبوا إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم، فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم إبراهيم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله وذكر كذباته نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى صلى الله عليه وسلم فيقولون: يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالاته وبتكليمه على الناس، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى صلى الله عليه وسلم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قتلت نفسا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى صلى الله عليه وسلم. فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمت الناس في المهد وكلمة منه ألقاها إلى مريم وروح منه، فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى صلى الله عليه وسلم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر له ذنبا، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم. فيأتوني فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه لأحد قبلي، ثم يقال يا محمد ارفع رأسك سل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول يا رب أمتي أمتي، فيقال يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهو شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب. والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى.

حرص “ص” على التيسير على أمته في التكاليف: إذ قال صلى الله عليه وآله وسلم كما في البخاري عن أبي هريرة: “إن الدين يسر ولن يشاد الدينَ أحدٌ إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وبشيء من الدُّلجة

“اذهبوا فأنتم الطلقاء”

حرصه صلى الله عليه وآله وسلم على إنقاذ غير المسلمين من الكفر والفرح بذلك، فقد روى مسلم في “صحيحه” عن أنس قال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له “أسلم”  فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم فأسلم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: “الحمد لله الذي أنقذه من النار”[9].

*حرصه على التيسير على أمته في التكاليف: إذ قال صلى الله عليه وآله وسلم كما في البخاري عن أبي هريرة[10]: “إن الدين يسر ولن يشاد الدينَ أحدٌ إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وبشيء من الدُّلجة”.

ومعلوم أن كل أحكام الشريعة ميسرة، وأن دائرة التحريم فيها ضيقة، ودائرة المباح فيها واسعة.

وعلى هذا جرت العادة في الشريعة الإسلامية بخلاف شرائع سابقة لها كان فيها التكليف والتشدد، كما صوره القرآن في غير مناسبة.

*حرصه على دعوة غير المسلمين على الإسلام، فقد كان شديد الحرص على هدايتهم وكان يدعو لهم، مع عداوتهم للإسلام وعدائهم للمسلمين، وقد عفا عن المحاربين له وقاتلين قرابته وأصحابه، ولا أحد ينسى قصة قوله “اذهبوا فأنتم الطلقاء[11]“.

نماذج الرحمة المهداة

6.قوله تعالى (بالمؤمنين رءوف رحيم) عطف الخاص على العام، فبعد أن بيَّن  أن الرحمة المهداة سيدنا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم عامة لكل موجود أشار إلى اختصاص أتباعه وأحبابه وأمته برحمة معينة، وهي الرأفة والرحمة.

وفي هذا التعبير من البيان والبلاغة ما تعجز ألسنة الفصحاء عن الإتيان بمثله، إذ الرأفة والرحمة تجتمعان في صورة موحدة عامة، لكن بينهما فرق دقيق وكلاهما اجتمعا في نبي الرحمة.

أما الرأفة فهي من أثر الشفقة والحرص، الذي يترتب عليه دفع كل المضار على المرؤف به، وكل ما منعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكرهه فهو من أثر رأفته كما قال القرآن (ويحرم عليهم الخبائث) [الأعراف/122].

وأما الرحمة فهي من أثر الإحسان الذي يترتب عليه جلب المنافع، وما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا بخير وما بين إلا خيرا، والقرآن يقول: (يحلُّ لهم الطيبات) [الأعراف/122].[12]

وإن المتبصر في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرى نماذج الرحمة  المهداة بما لم يوجد له مثيل في تاريخ البشرية.

قال برنارد شو: إن العالم أحوج ما يكون إلى رجلٍ في تفكير محمد، هذا النبي الذي وضع دينه دائماً موضع الاحترام والإجلال فإنه أقوى دين على هضم جميع المدنيات، خالداً خلود الأبد، وإني أرى كثيراً من بني قومي قد دخلوا هذا الدين على بينة، وسيجد هذا الدين مجاله الفسيح في هذه القارة (يعني أوروبا)

شهادات عظماء التاريخ

ولنختم هذا الفصل ببيان شهادات عظماء التاريخ من غير المسلمين في نبينا سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم:

*قال  مونتجو ميري: إن استعداد هذا الرجل لتحمل الاضطهاد من أجل معتقداته، والطبيعة الأخلاقية السامية لمن آمنوا به واتبعوه واعتبروه سيدا وقائدا لهم، إلى جانب عظمة إنجازاته المطلقة، كل ذلك يدل على العدالة والنزاهة المتأصلة في شخصه. فافتراض أن محمدا مدع افتراض يثير مشاكل أكثر ولا يحلها. بل إنه لا توجد شخصية من عظماء التاريخ الغربيين لم تنل التقدير اللائق بها مثل ما فعل بمحمد.

*وقال بوسورث سميث: لقد كان محمد قائدا سياسيا وزعيما دينيا في آن واحد. لكن لم تكن لديه عجرفة رجال الدين، كما لم تكن لديه فيالق مثل القياصرة. ولم يكن لديه جيوش مجيشة أو حرس خاص أو قصر مشيد أو عائد ثابت. إذا كان لأحد أن يقول إنه حكم بالقدرة الإلهية فإنه محمد، لأنه استطاع الإمساك بزمام السلطة دون أن يملك أدواتها ودون أن يسانده أهلها.

*وقال برنارد شو: إن العالم أحوج ما يكون إلى رجلٍ في تفكير محمد، هذا النبي الذي وضع دينه دائماً موضع الاحترام والإجلال فإنه أقوى دين على هضم جميع المدنيات، خالداً خلود الأبد، وإني أرى كثيراً من بني قومي قد دخلوا هذا الدين على بينة، وسيجد هذا الدين مجاله الفسيح في هذه القارة (يعني أوروبا).

إنّ رجال الدين في القرون الوسطى، ونتيجةً للجهل أو التعصّب، قد رسموا لدين محمدٍ صورةً قاتمةً، لقد كانوا يعتبرونه عدوًّا للمسيحية، لكنّني اطّلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته أعجوبةً خارقةً، وتوصلت إلى أنّه لم يكن عدوًّا للمسيحية، بل يجب أنْ يسمّى منقذ البشرية، وفي رأيي أنّه لو تولّى أمر العالم اليوم، لوفّق في حلّ مشكلاتنا بما يؤمن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها.

*يقول الفيلسوف الإنجليزي الشهير برنارد شو قولته الخالدة : ” لقد كان دين محمد – صلى الله عليه وسلم – موضع تقدير سامي لما ينطوي عليه من حيوية مدهشة”.. حيوية يعني دائم النشاط. ويقول” “وإنه الدين الوحيد الذي له ملكة الهضم لأطوار الحياة المختلفة”، يعني كل جد جديد في الحياة يستطيع هذا الدين الذي جعله الله – عز وجل – لكل زمان ومكان أن يهضم هذه التطورات، وأن يجعل لها أحكام وأن ينظمها في مجريات الحياة.

يتكلم البعض على شخص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأمور، منها أنه صلى الله عليه وسلم تزوج بتسعة ٍمن النساء. ويقولون قولة اليهود “لو كان نبيا ما رغب في النساء

نظرة موجزة عن دراسة السيرة

       اختلف الدارسون للسيرة النبوية العطرة في وجهات نظر تحليلهم لبعض المحطات فيها، وخاصة تلك المتعلقة بالحقيقة المحمدية، فرأيت تجاوز كثير منهم حدود الأدب والتوقير اللائقين بمقامه صلى الله عليه وآله وسلم، وما ذلك إلا نتيجة للجهل المركب بهذه الحقائق التي انطوت عليها أسرار الآيات القرآنية ولوحت إليها أنوار الأحاديث النبوية، مما لم يهتد إليه المحجوب عن الحق بالخلق.

       فتعرض بعضهم لبشرية وجاوز بالحكم على أفعاله بسببها الحدود، وادعى فيه أنه كغيره من الخلق يصيب ويخطئ.

       وتعرض بعضهم لاجتهاده وادعى عليه التخطئة والنقص وأن غيره قد يكون أصوب رأيا منه.

       وادعى قوم عليه من نواقص الأوصاف ما يستحيى أن يوصف هو به، وكل ذلك بدعوى عدم إخراجه عن حقيقة بشريته وخيفة الوقوع في الشرك، وليس ذلك واردا على أحد من المسلمين أبدا.

       يتكلم البعض على شخص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأمور، منها أنه صلى الله عليه وسلم تزوج بتسعة ٍمن النساء. ويقولون قولة اليهود “لو كان نبيا ما رغب في النساء”.

ويرمون بالشبهات حول زواجه، صلى الله عليه وسلم، بالطاهرةِ المطهرة الصديقة ِبنت الصديق حبيبة الحبيب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي بنت في التاسعة من عمرها. وكذا يتكلمون على زواجه، صلى الله عليه وسلم، من أم المؤمنين زينبَ بنت جحش زوجةِ زيد بن حارثة رضي الله عنه، ابنه من التبني. وكذا زواجه، صلى الله عليه وسلم، من جويرية بنت الحارث الخزاعية، وصفية بنت حيي بن أخطب وكانتا من سباياه، ليخرجوا بنتيجة مفادها أن محمدا، صلى الله عليه وسلم، كان شهوانيا لا همَّ له إلا النساء، وأن غزواته كانت نزوات أراد بها الإكثار من النساء. هذا نص كلامهم، وهو قول معتدليهم. أما المتشددون منهم فلهم حديث لا يروى لفحشه وبذاءة لفظه.

       والجواب عن كل هذا محل بسطه في موضع آخر إن شاء الله، يكفي للدلالة على بطلانه مراجعة ما سبق من أفضاله وخصائصه، ليتبين لكل ذي عقل وإنصاف أنه:

…بشر لا كالبشر……………..بل هو كالياقوت بين الحجر

———————————

[1]     “المستدرك” 2/665 عن ميسرة الفجر.

[2]  “المستدرك” 2/453 عن عرباض بن سارية

[3]  “صحيح البخاري” ح 5952 عن البراء بن عازب

[4]   ينظر “إتحاف فضلاء البشر بالقراآت الاثنى عشر” للدمياطي ص 433.

[5]  “صحيح مسلم” ح 2276 عن واثلة.

[6]  “صحيح البخاري” ح 2236 و”صحيح مسلم” 2242 عن ابن عمر.

[7]  “صحيح البخاري” ح 3262 عن أبي هريرة.

[8]  “صحيح البخاري” ح 39 عن أبي هريرة.

[9]  “صحيح البخاري” ح  1290 عن أبي هريرة.

[10]  “صحيح البخاري” ح 39 عن أبي هريرة.

[11]  روى البخاري في “صحيحه” 4079 عن أنس رضي الله عنه قال: لما كان يوم حنين التقى هوازن ومع النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف والطلقاء فأدبروا قال يا معشر الأنصار قالوا لبيك يا رسول الله وسعديك لبيك نحن بين يديك فنزل النبي صلى الله عليه وسلم فقال أنا عبد الله ورسوله فانهزم المشركون فأعطى الطلقاء والمهاجرين ولم يعط الأنصار شيئا فقالوا فدعاهم فأدخلهم في قبة فقال أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لاخترت شعب الأنصار.

[12]  ينظر “تفسير الألوسي 8/410.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى