مقالات

القيثارة النبوية.. مقاربة لحضور”البردة” و”الهمزية” في التقاليد السماعية المغرب

محمد التهامي الحراق

لا نخال أن أحدا يماري في كون محمد شرف الدين البوصيري (608هـ/1211م-696هـ/1296م)، هو إمام مادحي رسول الله(ص)؛ إذ لم يبلغ شأو مدائحه مادح، ولا رقى شهرته في المديح النبوي شاعر. وتلك رشفة من مواهب كريمة أفاضها الله من مننه على هذا الشاعر المصري مثوى ومولدا، الصنهاجي أصلا ومحتدا، المغربي ميلا ومحبة كما أفصح عن ذلك في قصيدة مدح بها الشيخ الناصح أبا محمد صالح (تـ.631هـ/1233م)، لما قال:

وَمَا أَنـَا مِنْ دُكَّالَةٍ غَيْرَ أَنَّنِي   ò    نُسِبْتُ إِلَيْهِمْ نِسْبَةَ الصِّدْقِ فِي الحُبِّ

كَنِسْبَةِ سَلْمَانٍ لِبَيْتِ نَبِيِّــهِ    ò   وَمَا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ قَبِيـــــــلٍ وَلاَ شَعْبِ[1]

هذا الشاعر نال فسحة في القول، وبلاغة في النظم، وسحرا في البيان، وتأثيرا بهيا في الأفئدة والقلوب؛ مزايا ما شد لها من زيم، وإنما قطفها بصدق حبه للمصطفى، وإخلاصه في مدحه، والهيام بذاته ومعانيه، والتعلق بجنابه الأمجد الشريف. إنها قطوف زاهية جعلت أنفاس طيب مدائحه تعبق في مشارق الأرض ومغاربها، مثلما استشرف ذلك ببصيرته النافذة، وحدسه الصادق، وهو يقول:

لاَ تَقْنَطِي يَا نَفْسُ إنَّ تَوَسُّلِي       ò      بِالمُصْطَفَى المختارِ ليسَ يَخِيبُ

أنَّى يخيبُ وقد تعطَّر مشرقٌ       ò     بِمَــــدَائِحِي خـــيرَ الأنَـامِ وَمَغْرِبُ[2]

قطوف سقيت دوحتها من غدير صوفي شاذلي، كرع منه البوصيري بأكواس المعاني عبر سلسلة ذهبية تزدان بأقطاب غامرة أسرارهم الربانية، وباهرة مذاقاتهم العرفانية؛ شيخه العارف أبي العباس المرسي (تـ.686هـ/1287م)، وارث سر الواصل الشهير أبي الحسن الشاذلي (تـ.656هـ/1258م)؛ تلميذ الشيخ الكامل، زينة أهل المغرب، وقطب رحى مشربهم الصوفي، دفين جبل العلم أبي محمد عبد السلام بن مشيش (تـ.625هـ/1227م).

من هذا المشرب متح البوصيري تلك النكهة الروحانية التي تجلل موهبته، ومنه أيضا تبللت هذه الموهبة بماء السر والشعر. موهبة وجدت أجلى مجاليها في قصيدتي “البردة” و”الهمزية” اللتين انتشر ذكرهما في الآفاق، حتى أضحتا رُواء للواعج المحبين وخوالج العشاق. فمن أين تستمد قصيدتا البردة والهمزية ألقهما بين أهل الشعر والأدب ورونقهما بين أهل السر والطرب؟ وما الذي يميز حضورهما في الثقافة المغربية عموما؛ وفي التقاليد السماعية المغربية تعيينا؟

حازت قصيدة “البردة” من الخواص اللغوية والتعبيرية والأسلوبية والبلاغية والبديعية، ما أبهر النظام والشعراء، وأخذ بألباب النقاد والأدباء. فهي “ميمية” عذبة الألفاظ، جزلة المبنى، رائعة المعنى؛ حبيكة الأسلوب، سبيكة النسيج

 -1 قصيدة البردة

1-1- من وجد الأدباء إلى أدب الواجدين

تستمد هذه القصيدةُ ألقها من منابع شعرية وأخرى روحية وثالثة أدبية وتداولية، تآلفت لتصب في مجرى واحد يزكي حضورَ هذه القصيدة المتوهج في ذاكرة ووجدان المسلمين عموما، ويدمغ حضورها في الثقافة الإسلامية المغربية برونق خاص له التميز والتفرد هوية وخصوصية.

فمن الناحية الشعرية، حازت قصيدة “البردة” من الخواص اللغوية والتعبيرية والأسلوبية والبلاغية والبديعية، ما أبهر النظام والشعراء، وأخذ بألباب النقاد والأدباء. فهي “ميمية” عذبة الألفاظ، جزلة المبنى، رائعة المعنى؛ حبيكة الأسلوب، سبيكة النسيج؛ ضمنها الناظمُ من براعة الاستهلال، ومحاسن المخالص، ومفاتن البديع، وبهي البلاغة، وفائق العبارة، ورائق الإشارة؛ ما جعلها غذاء لأنفاس العاشقين، ورواء لظمأ المحبين؛ بها تلهج ألسنتهم، ولها توجل أفئدتهم، لنفحاتها النبوية تهمي دموعهم، وبلمحاتها المحمدية تنبجس في أحشائهم صبابة جميلة بخير محبوب، ومحبة جليلة لأعز مطلوب.

ويُعَضِّد النبعَ الشعري لتحصيل هذا الأثر والتأثير، نبعٌ روحي جعل هذه القصيدة تُتلقى تلقيا روحيا تتخذ فيه شعرية القصيدة بعداً صوفيا بموجبه يُنْصَت للقصيدة بأذن الفؤاد، وتُستقبل معانيها واستعاراتها وإشاراتها استقبالا وجدانيا يغذي إيمان المؤمنين بما ترسخه تلك المعاني والإشارات في قلوبهم من محبة للنبي الكريم ومحبة آله بيته الأطهار. لا سيما وأن القصيدة تسبح دلاليا في فلك حب المصطفىe وتحبيبه للقلوب، مبرزة شمائله من محاسن خِلْقية، ومكارم خُلُقية، وما خصه الله به من آيات باهرات، وخوارق ومعجزات، وما انماز به سلوكهe واتصفت به سيرته من سمو وطهارة وبهاء وعظمة جعلته نموذج “الإنسان الكامل” الذي أُمرنا بالائتساء به والاقتداء، وهو الأمر الذي تعكسه محاور البردة وأبوابها الدلالية بنصاعة وجلاء[3].

تُزكي هذه المعاني الروحيةَ التي تزخر بها قصيدة “الكواكب الدرية” وتنفخ فيها نفسا صوفيا وسمها بالفرادة والخصوصية، تلك القصَّة التي تُروى عن سبب نظمها، والتي أضفت على قرضها نكهةً عرفانية، تصلها بأدب الكرامات الصوفية. فهذه القصيدة نظمها البوصيري الشاذلي استشفاعا بها للحق سبحانه واستشفاء من داء الفالج الذي كان قد أبطل نصفه وأقعده عن المشي، فكان من كراماتها أن رأى الرسولe في رؤيا منامية وهو يملي عليه قصيدته والرسول(ص) يتمايل لمعانيها ويطرب لقوافيها، ليُتوجَهُ المصطفى(ص) بالقبول والرضى حين خلع عليه بردته الشريفة، فكان ذلك له نعم البلسم والدواء؛ إذ برئ من دائه، وحصل له الشفاء. وهذا البعد الروحي الصوفي هو ما رسخ في السرائر والقلوب المنزلة الروحية السنية لهذه القصيدة؛ حتى نُسبت لها كثير من الخواص والبركات والنفحات بحيث يستشفى بتلاوتها من العلل والأدواء، ويُستصرخ بذكرها عند الشدائد، كما توحي بذلك بعض أسمائها مثل “البردة” و”البرأة” و”الشدائد”… إلخ، وهو ما فصلت فيه كثير من شروحها.

حظيت قصيدة البردة، وعلى مر القرون، بشروح مشرقية ومغربية غزيرة وفريدة، وتقاييد أدبية نفيسة وعديدة، تلتقط فرائدها، وتجلّي خرائدها، وتفض عن مسك معانيها الختام. ومن ألمع من شرحها في الغرب الإسلامي، تمثِيلا لا حصرا، المؤرخ الكبير عبد الرحمن بن خلدون

إن هذين النبعين، الشعري والروحي، سيثمران تعاملا أدبيا وتداوليا مع قصيدة “البردة”، سيسهم بدوره في تبويئها منزلة خاصة في تاريخ الأدب الإسلامي، وفي الوجدان الديني للمسلمين عموما، كما سيوقع حضورها في الثقافة المغربية، أكانت عالمة أم شعبية مكتوبة أم شفاهية، بعلامات خاصة وميزات مخصوصة.

هكذا حظيت قصيدة البردة، وعلى مر القرون، بشروح مشرقية ومغربية غزيرة وفريدة، وتقاييد أدبية نفيسة وعديدة، تلتقط فرائدها، وتجلّي خرائدها، وتفض عن مسك معانيها الختام. ومن ألمع من شرحها في الغرب الإسلامي، تمثِيلا لا حصرا، المؤرخ الكبير عبد الرحمن بن خلدون (تـ.808هـ/1406م)، ومن المغاربة المتأخرين أحمد بن محمد الفاسي (تـ.1021هـ) وأحمد بن عجيبة الحسني (تـ.1244هـ/1809م) ومحمد المكي البيطاوري (تـ.1355هـ/1936م) الذي عنون شرحه بـ”نسيم الوردة في شرح البردة”، كما تقف على شرح للبردة بالأمازيغية لعبد الله بن يحيى الحامدي نسبة لآيت حمد المجاورة لآيت بها بسوس. أما معارضاتها وتخميساتها وتسبيعاتها وتشطيراتها وتسميطاتها، فهي من الغزارة والكثرة بما يعد ولا يحصى، ولا يحصر أو يستقصى. وللمغاربة في ذلك القدح المعلى والسهم الوفير؛ فممن عارضها عبد الله المهدي بن محمد الغزال (تـ.1140هـ/1728م)، ومن شعراء العصر الحديث؛ وائتساء بالمصريين محمود سامي البارودي (تـ.1322هـ/1904م) في “كشف الغمة في مدح الأمة”؛ وتلميذه أحمد شوقي (تـ.1351هـ/1932م) في “نهج البردة” وغيرهما، عارضها الشاعر المغربي محمد الحلوي (تـ.1427هـ/2005م) في قصيدة مطلعها:

  أحبب بها من ربى عطرية النسم     ò      تفوح بالطهر والإلهـــــــام والقيم

فيما خمسها الكثيرون منهم محمد بن محمد بن عبد الرحيم بن يجبش التازي (تـ.920هـ/1514م) وأحمد بن العياشي سكيرج (تـ.1363هـ) في “الوردة”، وسمطها ابن جابر الغساني المكناسي (تـ.827هـ/1424م)، وشطرها محمد بن القاسم بن داود السلوي (كان حيا أواخر 812هـ/1410م).

1-2- “الكواكب الدرية” بعلامات حضارية مغربية

هذه فقط لُمَع ونماذج تكشف عما تكتنزه المكتبات المغربية العامة والخاصة، من تراث هائل يُنبي بما خص به المغاربة قصيدة البردة من عناية ورعاية واهتمام. على أن هذه العناية لم تنحصر فقط في المستوى العلمي والأدبي، شرحا ومعارضة وتخميسا وتشطيرا وتسميطا، وإنما اتخذت أبعادا حضارية متعددة المجالي، متنوعة المظاهر. فقد زُينت بأبيات منها كثيرٌ من القباب والمحاريب والأبواب والأقواس بالبيوتات والمساجد والزوايا والمزارات، كما ضربت وسكت بها العملة النقدية، وهلَّل بها المهللون فوق المآذن بالأسحار، وصارت تُنشد وتدرس وتشرح في الحلقات الخاصة والعامة، وخصوصا في الأيام الأحد عشر من ربيع الأول كل سنة فرحا بالنبي(ص) واحتفاء بمولده الكريم.

حظيت البردة بعناية فنية فائقة. فقد أولاها صوفية المغرب الأفاضل اهتماما فنيا وموسيقيا تفرد به حضور البردة في محافلهم وحلقاتهم، حيث نغموها بشجي الترانيم والأنغام، وحلوها ببهي الأدوار والألحان، وأنشدوها بأطرب الإيقاعات والأوزان

ولعل هذه المعالم قد وسمت تعامل المغاربة مع قصيدة “البردة” بميزات خاصة أصبح معها حضور هذه القصيدة في الثقافة المغربية ينماز بعلامات مميزة وفريدة، وسنقصر تفصيلنا فيها هنا على ميزتين.

تتعلق الأولى بالرواية المغربية لمتن البردة والتي تضيف ثلاثة عشر بيتا تغيب من متنها في الرواية المشرقية، منها تسعة أبيات متوالية تبدأ من قول البوصيري:

  لما شكت وقعه البطحاء قال له     ò      على الربا والهضاب انهل وانسجم

إلى قوله:

  لولا العنــاية كان الأمـــر فيه على     ò      حد الســواء فذو نطق كذي بكم

وثلاثة غيرها من قوله:

تعيى العقول كلالا عنــد رؤيته    òكانمــا نظـــرت للشمس من أمـــم

إلى قوله:

  أبان مولده عــن طيب عنصره    ò     يا طيب مبتـدإ منه ومختتــــــــم

ثم بيت منفرد هو:

إن قام في جامع الهيجا خطيبهــم    ò    تصــــــاممت عنه أذنا صمة الصمـم

وقد تضاربت الآراء حول نسبة هذه الأبيات إلى الإمام البوصيري، لكن الثابت -مثلما يؤكد ذلك البحاثة المحقق والفقيه المدقق الأستاذ المرحوم محمد المنوني- هو «وجود نص متميز لقصيدة البردة في نسخها المغربية وبعض رواياتها، وهي أولى ميزات اشتغال المغاربة على “الكواكب الدرية في مدح خير البرية”»([4]).

المنصتُ إلى البردة في لبوسها النغمي المغربي سيكتشف أن القوم رنموها بتلاحين تخلب الألباب وتأخذ بمجامع القلوب، تلاحين تسري في السامع اللبيب فتحرك لواعجه وخوالجه، وتستثير فيه كوامن العشق ومواجيد الحب نحو المصطفى(ص)

الميزة الثانية، وهي إحدى العلامات الحضارية التي سنقصر ونركز عليها حديثنا، تتجسد في ما حظيت به البردة من عناية فنية. فقد أولاها صوفية المغرب الأفاضل اهتماما فنيا وموسيقيا تفرد به حضور البردة في محافلهم وحلقاتهم، حيث نغموها بشجي الترانيم والأنغام، وحلوها ببهي الأدوار والألحان، وأنشدوها بأطرب الإيقاعات والأوزان، وتصادحوا بها بأشجى الحناجر وأجمل الأصوات الحسان، حتى اختص بإنشادها منشدون قصروا إنشادهم عليها عرفوا بـ”فقراء البردة”؛ وذلك تحبيبا لها لدى الخاص والعام، ونشرا لما فيها من قيم إسلامية نبيلة، ومُثل نبوية جليلة، وإشاعة لما تنضح به من مكارم محمدية فاضلة، ومناقب نورانية حافلة. والمنصتُ إلى البردة في لبوسها النغمي المغربي سيكتشف أن القوم رنموها بتلاحين تخلب الألباب وتأخذ بمجامع القلوب، تلاحين تسري في السامع اللبيب فتحرك لواعجه وخوالجه، وتستثير فيه كوامن العشق ومواجيد الحب نحو المصطفى(ص)، ونحو سيرته العطرة وسنته الغراء. كما سيكتشف هذا المنصت أيضا أنها تلاحين نسجت على نسق طبوع  الموسيقى الأندلسية المغربية، ووفق الأساليب الروحانية في الترنيم والتوقيع والأداء والتغني في سماع الزوايا الشاذلية بالمغرب.

1-3- “العمل الفاسي”: تحفة سماع أهل المغرب

من المعلوم أن “العمل الفاسي” عرف كاصطلاح فقهي يدل على “ما جرى به العمل”([5]) بين قضاة فاس من مقتضيات الأحكام في النوازل المتعلقة بالأنكحة والبيوعات والمعاملات، وقد أطلق هذا الاصطلاح على منظومة عبد الرحمن الفاسي (تــ.1096هـ/1684هـ) التي جمع فيها تفاصيل هذه الأحكام([6]). ويبدو أن اصطلاح “العمل الفاسي” انتقل، وسط أرباب السماع خلال النصف الأول من القرن الرابع عشر للهجرة،  من مدلوله الفقهي إلى مدلول فني أصبح يشير بموجبه إلى ما جرى به العمل في إنشاد بردة البوصيري بمدينة فاس. ذاك ما نلتقطه من مطلع منظومة الفقيه محمد بن محمد بن عبد القادر ابن سودة (تـ.1368هـ/1949م) التي يجمل فيها أبرز مراكز إنشاد البردة على الطريقة الفاسية، حين يقول:

    قَــارِئَ البُرْدَةِ إِنْ رُمْتَ الأَمَــــلْ       X       بِالحِجَازِ المَشْرِقِي ابْدَأْ فِي العَمَلْ([7])

 و هو أيضا ما يؤكده تداول هذا الاصطلاح في الزاوية الحراقية الرباطية، والذي أشاع استعماله فيها ورسخ مدلوله الفني بين مريديها ومسمعيها الفقيه الصوفي عبد السلام اكديرة([8]). ويعرف الأستاذ بنمنصور كلمة “العمل” في دلالتها الاصطلاحية الفنية ضمن هذا الاستعمال فيقول: «كلمة “العمل” هنا تخص البردة وحدها([9])، ومعنى هذه الكلمة اصطلاحا: اللحن. وهي تقابل كلمة “شغل” في الموسيقى الأندلسية، ولا ينقصها سوى التراتين، كما تدل أيضا على أن هناك عملا فنيا رائعا ممتازا متكامل اللحن والنغم والإيقاع»([10]). وعليه فإن “العمل الفاسي” في اصطلاح أهل السماع يدل على التلحين الخاص ببردة البوصيري في مدينة فاس، وهو تلحين يشمل مجموع متن البردة فيقسمه إلى أقسام تعرف بــ”المراكز”([11]) أو “المواقف”([12])، حيث ينشد كل قسم في طبع معين أو في طبوع متجانسة منسجمة، وتتخلل هذه الأقسامَ مستعملات مديحية جماعية وإنشاداتٌ فردية، تلائم تلك الأقسام من حيث طبوعها وإيقاعاتها ومناسباتها الشعرية[13].

في البردة يتم الانتقال من المحافظة على وحدة الميزان، مثلما هو الحال في ميازين النوبة، إلى المزج في الطبع الواحد بين عدة ميازين بفنية ظاهرة وتقنية باهرة

ويعد هذا العمل ألمع تحفة فنية تميز مجالس المديح، إذ تكشف روعة تلاحين البردة وبراعة التنسيق فيها بين الطبوع واستيفاؤها لأربعة وعشرين طبعا([14])، عن مهارة نادرة في التلحين، وحذق لافت في التبويب، وقدرة استثنائية على نسج تأليف لحني يتجاوز مفهوم “النوبة”([15])، من حيث هي خانة نغمية مستقلة بطبعها الرئيس أو بطبوعها المتجانسة، ليتم في البردة وصل مختلف الطبوع بعضها ببعض في سلاسة نغمية آية في الجودة. كما يتم في البردة أيضا الانتقال من المحافظة على وحدة الميزان، مثلما هو الحال في ميازين النوبة، إلى المزج في الطبع الواحد بين عدة ميازين بفنية ظاهرة وتقنية باهرة([16]). إنه عمل فني يشي أيضا بعلو كعب ملحنيه، وتضلعهم في معرفة الطبوع والإيقاعات الموسيقية. وهم، كما يذهب إلى ذلك الأستاذ بنمنصور، «جماعة من المهرة والفنانين المتقنين لأصول الموسيقى الأندلسية المغربية، وأحدهم الذي ساهم بالقسط الأوفر في وضع هذا العمل هو أبو الفيض سيدي حمدون بن الحاج السلمي، وقد سكت عن ذلك بحكم موقعه كعالم وكفقيه؛ خصوصا وأن عصره عرف باشتداد الإنكار على الموسيقى والسماع»([17]).

وإلى حين أن يكشف لنا البحث هوية هؤلاء الملحنين، وبالنظر فقط إلى منجَزهم الفني، نسجل أن هؤلاء المهرة قد قسموا نص البردة إلى جملة أقسام شعرية تعرف بـ”المواقف” أو”المراكز”، وخصصوا كل قسم منها بطبع واحد أو بطبوع متجانسة، ونوعوا فيه من الأدوار والترانيم بحيث تلائم هذه الأخيرة معاني ودلالات كل قسم من أقسام البردة وكل باب من أبوابها. أضف إلى ذلك أنهم نسجوا البردة وفق أسلوب تلحيني ملحمي أجملوا فيه كل الطبوع الأندلسية المغربية كما أسلفنا، سواء منها المتداولُ فيما يعرف في المغرب بفن “طرب الآلة” – أي التراث الموسيقي المغربي الآلي المنحدرة أصولُه من الأندلس- (مثل طبوع رمل الماية والحجاز الكبير والاصبهان…)، أو تلك الطبوع التي ضاعت أو فُقدت نوباتها في هذا الطرب، واحتفظ أرباب الزوايا بمستعملات منها في مديحهم وحلقات ذكرهم (مثل طبوع حمدان، وعراق العرب، والمزموم، وانقلاب السيكا، والمشرقي الصغير…).

الخصائص الفنية تشهد على عبقرية واضعي تلحين البردة، وتجلِّي ثقافتهم الموسيقية الواسعة والعميقة، وقدرتهم الإبداعية الفائقة على صياغة تلحين طويل النفس والمساحة

ومن غزير المزايا أيضا التي تسم وتزين أداء البردة على الطريقة التلحينية المغربية في زواياه الشاذلية، أن الانتقال فيها من طبع إلى آخر يتم في سلاسة ودفء ورونق بحيث تَعْبُر البردةُ بالسامع من نغم إلى آخر بحلاوة بادية الجمال والبها، متناهية الألق تتلف النُّهى، لا يحس معها السامع بنشاز أو تنافر بين الطبع المنتقَل منه والطبع المجاوِر المنتقَل إليه. ثم إن البردة وهي تُحَلَّى بهاته الطبوع، تُغنى في ميازين متنوعة سواء منها الميازين المغربية الأندلسية (قدام، درج، بطايحي، قائم ونصف، بسيط)، أو بعض الميازين التي انتعشت خاصة بين أرباب الزوايا (مثل إيقاع أقصاق التركي المستعمل في مفتتَح البردة…).

إن هذه الخصائص الفنية ، التي أوجزنا الحديث فيها دون كبير توسع، تشهد على عبقرية واضعي تلحين البردة، وتجلِّي ثقافتهم الموسيقية الواسعة والعميقة، وقدرتهم الإبداعية الفائقة على صياغة تلحين طويل النفس والمساحة، يستغرق متنا مديدا تصل أبياته إلى ثلاثة وسبعين ومائة بيت متنوعة الطبوع والأوزان والتلاحين، بحيث يشعر المترنم والمنصت معا أنهما إزاء عمل أصيل وعميق يستمد مغزاه ومعناه من الغايات الروحية التي يهدف إليها، والتي مناطها الأساس زرع محبة الرسول(ص) في الأفئدة والقلوب من خلال الكلمة الجميلة واللحن الشجي والأداء اللائق والرائق.

ساد حضور البردة في مختلف الأوساط العالمة والشعبية، وانتشر التغني بها على الطريقة الموصوفة في جميع مناطق المغرب وجهاته. وقد احتضنت ذلك مراكز كبرى كانت بمثابة مدارس ضمنت امتداد هذا الموروث الروحي الباذخ

 لهذه الاعتبارات الفنية والروحية راح المغاربة يتغنون بالبردة خلال اجتماعاتهم الدينية في المساجد والزوايا ومشاهد الصلحاء والأولياء، وأوقفوا على ذلك أوقافا وأحباسا عديدة بمختلف جهات المغرب حتى يضمنوا لهذا التغني الصوفي الاستمرار والخلود، إذ من خلاله يستديمون استحضار معاني البردة ومبانيها وترانيمها وإيقاعاتها في مسراتهم وفي أحزانهم؛ يعبِّرون بها في الفرح عن أحاسيس الغبطة والسرور ومشاعر الفرح والحبور، ويتوسمون فيها خلال الأحزان والأزمات المواساة والعزاء؛ بل وبها يستصرخون الرسول (ص) ويستغيثون بالحق سبحانه لتفريج الغمة ودفع البلاء،  وذلك لما أسند إليها من خواص وبركات في كشف الملمات ورفع الغمرات كما سلفت الإشارة.

هكذا ساد حضور البردة في مختلف الأوساط العالمة والشعبية، وانتشر التغني بها على الطريقة الموصوفة في جميع مناطق المغرب وجهاته. وقد احتضنت ذلك مراكز كبرى كانت بمثابة مدارس ضمنت امتداد هذا الموروث الروحي الباذخ وانتقاله بالرواية والمشافهة جيلا بعد جيل.ومن أبرز المراكز المغربية التي مازالت تُحافظ على إنشاد البردة بهاته الطريقة المغربية الأصيلة، أعني “الطريقة الفاسية” أو “العمل الفاسي”. نشير هنا، تمثيلا، إلى الحفلِ الروحي الأسبوعي الذي ُيعقد صبيحة كل جمعة في ضريح مولاي إدريس الأزهر بفاس، وضريح سيدي العربي بن السايح بالرباط، ومشهد سيدي أبي العباس السبتي بمراكش، حيث تختم البردة في هاته المراكز كاملة مع تخليلها بشقيقتها “الهمزية” وبإنشادات الطبوع (التي حافظت عليها الزوايا المغربية وأغنتها) وبالمستعملات والمرددات، والتي يطعم بها المنشدون قصيدة البردة بما يتلاءم وأقسامَها إن من حيث النغم أو الإيقاع أو المعنى. كما أن المغاربة ومن فرط احتفائهم الشعبي ببردة البوصيري، ما فتئوا يستدعون المنشدين للتغني بهاته البردة في البيوتات الخاصة عنايةً بصاحبها واستمدادا من نفحاتها واستمطارا من أنوار الممدوح فيها؛ بل إنهم، ومن باب التنافس في هذا الاستمطار، راحوا ينشئون “أعمالا” تلحينية محلية للبردة تحاكي “العمل الفاسي”، كما هو الشأن مثلا مع “العمل الرباطي” و”العمل السلوي” و”العمل الشفشاوني” و”العمل الوزاني”([18])، وغيرها من “الأعمال” التي ينحصر تداولها في النطاق المحلي، وقد ضاع جلها بسبب انعدام توثيقها ورحيل جل حفظتها ورواتها. فيما نجد أيضا نمطا فنيا خاصا لإنشاد البردة يسرد سردا ويرتل خصيصا في الجنائز، ويتميز بأنغام رقيقة وحزينة تبعث على التدبر الإيماني والتفكر الوجودي والتأمل الروحي في معنى الحياة والموت. ويعرف هذا النمط الإنشادي بـ”البردة الجنائزية”، كما هو الحال مثلا في مدينتي وزان والعرائش.

عناية المغاربة بالبردة اتخذت أشكالا أدبية واجتماعية ومعمارية وفنية وروحية، مما جعل هذا النص يتخذ كينونة حضارية متميزة في المنظومة الثقافية المغربية استمدها من خصوصية هذه الثقافة

هكذا نستشف أن عناية المغاربة بالبردة اتخذت أشكالا أدبية واجتماعية ومعمارية وفنية وروحية، مما جعل هذا النص يتخذ كينونة حضارية متميزة في المنظومة الثقافية المغربية استمدها من خصوصية هذه الثقافة التي ساهم في تشكيلها مثلما ساهمت هي في مغربة حضوره وتلقيه وتداوله[19].

2- قصيدة الهمزية

2-1-“أم القرى” في التلقي الأدبي المغربي

       تعتبر قصيدة “أم القرى في مدح خير الورى”، والشهيرة بـ”الهمزية” نسبة إلى رويها، ثاني أشهر مطولة في متداول ديوان المديح النبوي بالمغرب. فهي شقيقة “البردة” وأختها الرضيعة؛ إذ ظفرت، على غرار “الكواكب الدرية”، بعناية الشراح والشعراء والمسمعين، حيث محضوها من الدرس والتدريس؛ والمعارضة والتخميس والتسميط والتشطير؛ وكذا الترنيم والتنغيم، ما رسخ أبياتها في الأذهان، ومعانيها في الصدور، وموسيقى قوافيها في الأسماع والسرائر. هذا، رغم طول متنها وامتداد نفسها في خمسة وخمسين وأربعمائة بيت منظومة على بحر الخفيف.

 ولا تخرج قصيدة الهمزية عن الفلك الدلالي العام لشقيقتها “البردة”، حيث تدور معانيها في أرجائه، لكنها تنماز دلاليا بالتفصيل والتوسع في استعراض وقائع ومحطات السيرة النبوية العطرة. هكذا نسجل أن “الهمزية”، ومنذ الاستهلال، تباشر في مفتتحها مدح الرسول(ص) دون أية مقدمة شعرية؛ غزلية كانت أو غيرها، حيث يتحدث البوصيري في قسمها الأول، عن فضل الرسول(ص) ورقيه عن سائر الأنبياء، ثم ينتقل في القسم الثاني إلى إبراز مجد دوحته وشرف نسبه وعلامات وبشائر ولادته وما صاحبها من آيات وخوارق، وما ظهر من معجزات عند رضاعه وتنشئته. أما في القسم الثالث المفصل فينطلق البوصيري في تتبع أحداث سيرته(ص) ودعوته، من تعبده في غار حراء؛ وبعثته وما لاقاه من قومه من عداوة وإذاية؛ وهجرته وما تخللتها من آيات وخوارق (تعشيش الحمام على باب غار ثور، نسج العنكبوت، احتواء الأرض لقوائم فرس سراقه الذي اقتفى أثر الرسول الكريم…)؛ وإكرامه (ص)، عام الحزن، بمعجزة الإسراء والمعراج بعجائبها وآياتها؛ وكذا معجزة الأرضة التي قرضت الصحيفة المبرمة بين بطون قريش لمقاطعة بني هاشم. ليعرض البوصيري بعد ذلك لبعض مكارم المصطفى وشمائله؛ ولإعجاز القرآن الكريم وبلاغة سوره وآياته، ويعرج على مناقشة أهل الكتاب في معتقداتهم. وينهي حديثه في السيرة النبوية العطرة بوصف فتح مكة وحِلم الرسول الكريم على أهلها وعفوه عنهم رغم تمكنه منهم واقتداره عليهم.

وعقب هذا القسم المطول ينتقل صاحب “الهمزية” إلى وصف شعائر الحج مصورا بشوق ورونق زيارة قبر المصطفى(ص) ومراحل الطريق التي سلكها إليه، ثم يخصص القسم الخامس لمدح آل البيت ورثائهم ومدح الصحابة الكرام، وخصوصا منهم العشرة المبشرين بالجنة. وفي ختام “الهمزية”، وعلى نسق البردة”، يطلب الشفاعة من الرسول (ص) ويتضرع مبتهلا متذللا للحق سبحانه راجيا رحمته وغفرانه موقعا نهاية قصيدة “أم القرى” بالصلاة والسلام على سيد العالمين وخير الورى.

تكشف قصيدة الهمزية عن تفقه كبير في اللغة العربية، وتذوق رفيع لكلماتها ومجازاتها؛ وهو ما مكن البوصيري من نسج قصيدة جزلة المبنى، رحبة المعنى، بهية النظم، زهية الإيحاء؛ ترشح بصدق الإيمان ولطافة المحبة ورقة الشعر

إن سمو القيم الدينية والدلالات الروحية التي تطفح بها هذه الدلالات تعد واحدا من العوامل التي تؤول إليها شهرة هذه القصيدة وذيوع شأنها بين الخاص والعام ؛ لا سيما وأن البوصيري يبدو، في حنايا همزيته وثناياها، متضلعا في دراسة السيرة النبوية، عارفا بتفاصيلها، مستوعبا مراحلها وأطوارها؛ مع قدرة لافتة على الجدال والمشاركة في مناقشة قضايا كلامية دقيقة بالمحاجة والاستدلال، هذا دون أي تفريط في قوة اللغة ورونقها الشعري؛ حيث تكشف قصيدة الهمزية، على هذا المستوى، عن تفقه كبير في اللغة العربية، وتذوق رفيع لكلماتها ومجازاتها؛ وهو ما مكن البوصيري من نسج قصيدة جزلة المبنى، رحبة المعنى، بهية النظم، زهية الإيحاء؛ ترشح بصدق الإيمان ولطافة المحبة ورقة الشعر.

لأجل ذاك وغيره، أقبل العلماء عليها بالشرح لتظهير مراميها، وتقريب إشاراتها، واستبار أسرارها، واستجلاء مكنوناتها، لغة ومعنى؛ بلاغة وبديعا؛ أسلوبا وتصويرا؛ بل اتخذوها منطلقا لتدريس السيرة النبوية في حلقات علمية إنشادية دأب العلماء والمنشدون على إحيائها في المشاهد والمساجد والزوايا والبيوتات الخاصة عند حلول شهر المولد النبوي الكريم. وعلى غرار الشراح والدارسين، احتفى بـ”الهمزية” الشعراء وتأثروا بنظمها ونسجيها، واستلهموا معانيها وصورها وإيقاعها، فعارضوها وخمسوها وسمطوها وشطروها.

ولما كانت خزائن الثقافة الإسلامية تكتنز تراثا هائلا من هذه الشروح والأنظام، على نسق ما وقفنا عنده بخصوص “البردة”، وكانت هذه النصوص ذخيرة انتعش إغناؤها في المشرق والمغرب بحيث يتعذر تناولها بالإحصاء والاستقصاء، جاز لنا أن نكتفي منها بنماذج مغربية دالة، بها نهتدي إلى قيمة هذا المتن الشعري المديحي بين علماء المغرب وأدبائه.

فمن زمرة من شرحها محمد بن أحمد الحضيكي (تـ.1189هـ/1775م)؛ ومحمد بن أحمد بنيس (تـ.1213هـ/1798م)؛ والشيخ أحمد التيجاني (تـ.1230هـ)؛ وأحمد بن عجيبة الحسني؛ والقاضي محمد زنيبر السلاوي (تـ.1389هـ/1969م)، فيما عارضها جم من الشعراء منهم محمد بن عبد الرحمن بن زكري في قصيدته “نزهة أهل المحبة في مدح ساكن طيبة”، وخمسها حمدون بن الحاج السلمي (تـ.1232هـ/1817م)[20].

قصيدة “الهمزية” لا تملك تنسيقا تلحينيا مستقلا سائرا وموحَّدا بين مختلف المنشدين المغاربة؛ أعني تنسيقا مبوبا يشمل كل متن الهمزية ويطرب في مختلف الطبوع الموسيقية المتداولة على غرار متن البردة في “العمل الفاسي

2-2- الهمزية في المُنشَد السماعي المغربي

إن هذا الاهتمام العلمي والأدبي بقصيدة الهمزية قد تعضد بعناية فنية اتخذت من هذه القصيدة مادة إنشادية رئيسة إلى جانب البردة في مجالس المديح وحلق الذكر، حيث تحضر “أم القرى” كمتن محايث لـ”الكواكب الدرية” به تخلل البردة، كما سبقت الإشارة، في مختلف مراكزها وطبوعها في “العمل الفاسي”. وغالبا ما كانت “الهمزية”، رغم طول مساحتها الشعرية، توزع بشكل متواز ومتوازن، نغميا ودلاليا، على تلك المراكز حتى يتم ختم المتنين معا عند نهاية إنشاد “العمل”[21].

وحري بنا هنا أن نشير إلى أن قصيدة “الهمزية” لا تملك تنسيقا تلحينيا مستقلا سائرا وموحَّدا بين مختلف المنشدين المغاربة؛ أعني تنسيقا مبوبا يشمل كل متن الهمزية ويطرب في مختلف الطبوع الموسيقية المتداولة على غرار متن البردة في “العمل الفاسي”. نعم تتغنى بعض الزوايا بتلحينات للهمزية  تنحو هذا المنحى مثل ما يعرف بـ”الهمزية الحراقية” و”الهمزية الريسونية”[22]، لكنهما، وعلى أهميتهما التراثية التي لا تنكر، تظلان “عملين” محليين لا يكاد يتجاوز إنشادهما حدود الزاويتين الحراقية والريسونية بالديار التطوانية والمناطق المجاورة؛ مع ما يتهدد هذين “العملين” من خطر الاندثار والنسيان جراء تواري الحفظة وإهمال التوثيق وميل المنشدين المعاصرين للاختصار. ولنا في مآل “العمل الرباطي”، الذي ضاع وافتقد بعد أن كان يشمل إلى جانب البردة متن الهمزية [23]، أبرز مثال للعِظة والاعتبار.

عناية أهل المغرب بـ”الهمزية” وحضورَها إلى جوار “البردة” في محافل الإنشاد، جعلهما تظفران بمنزلة فنية سامية في تراثنا السماعي المغربي عززت مكانتهما بين العلماء والأدباء، ورسخت وظائفهما في ترسيخ محبة النبي الكريم ومحبة آل بيته في الأفئدة والقلوب

وإجمالا، فإن عناية أهل المغرب بـ”الهمزية” [24] وحضورَها إلى جوار “البردة” في محافل الإنشاد، جعلهما تظفران بمنزلة فنية سامية في تراثنا السماعي المغربي[25]، عززت مكانتهما بين العلماء والأدباء، ورسخت وظائفهما في ترسيخ محبة النبي الكريم ومحبة آل بيته في الأفئدة والقلوب وإسهامهما في تثبيت مختلف القيم الإسلامية السامية والمثل الأخلاقية النبوية في سلوك ووجدان المغاربة.

3 – البردة والهمزية يأتلفان فرحا بالمصطفى (ص) 

لعل أنصع مناسبة يُعتنى فيها بالمتنين البوصيريين “الكواكب الدرية” و”أم القرى” هي مناسبة المولد النبوي. فاحتفاءً بولادة الفجر الأعظم سيدنا محمد(ص)، دأب المغاربة، المشهورون بحبهم الفارضي للنبي الكريم، على التعبير عن هذه المحبة بمختلف الأشكال الثقافية ذات الحضور القوي والتأثير البليغ في الوجدان الفردي والجماعي. ومن بين هذه المظاهر والأشكال عادة احتفائهم بشمائل المصطفى(ص) وخلاله الخِلقية والخُلقية، وكمالاته ومكارمه ومعجزاته ومزاياه، وذلك من خلال عنايتهم بإحياء أماسي ذكر وإنشاد بين العشاءين في الزوايا والمساجد والمشاهد والمزارات والبيوتات على امتداد أحد عشر يوما من ربيع الأول، والتي تسبق عيد المولد النبوي الكريم. ويتحقق ذلك الاحتفاء من خلال سرد وتوريق كتاب “الشفا بتعريف حقوق المصطفى” للعلامة القاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي الأندلسي الفاسي السبتي (ت.544ه/   ـ)، توازيها وتواكبها أمداح نبوية ترتكز أساسا على بردة الإمام البوصيري وهمزيته، مع وتريات [26] الإمام أبي بكر البغدادي (ت. 663هـ/     )[27]،

 وغني عن البيان ما أولاه المغاربة لكتاب “الشفا” من عناية واهتمام، حيث أشبعوه درسا وشرحا وتلقينا، هذا إلى جانب عنايتهم ببردة الإمام البوصيري وهمزيته – كما بينا سابقا- ووتريات البغدادي معارضة وتشطيرا وتخميسا وتسبيعا وشرحا، ثم تنغيما وتلحينا، بحيث أصبحنا إزاء ذخيرة أدبية وفنية ذات ملمح أصيل وإمضاء مغربي متفرد لا مثيل له ولا نظير.

تظهر الحذاقة المغربية من خلال ذاك الزواج الدلالي السعيد، والمناسبة العلمية والفنية، والذوق الأديب البديع والحس الطربي الرفيع، الذي يظهر في التنسيق دلاليا وفنيا بين محاور كتاب “الشفا” ومعاني همزية البوصيري وبردته و ووتريات الإمام البغدادي

هكذا وجدنا أجدادنا ورغبة منهم في ترسيخ محبة المصطفى(ص) في الأفئدة والقلوب، وطلبا لتثبيت وصيانة الشخصية الإسلامية المغربية، ودعم وتغذية وتقوية هويتها الإسلامية المالكية فقها والأشعرية عقيدة والجنيدية تصوفا، يسنون هذه السنة الحميدة في المساجد والزوايا والأضرحة والبيوتات الخاصة، بحيث أوقفوا أوقافا على سرد كتاب “الشفا” وإنشاد المديح النبوي الشريف المتمحور حول همزية وبردة الإمام البوصيري ووتريات البغدادي. وإذا كان البعد المغربي بارزا في مؤلفي هذه النصوص سواء بالنسبة للقاضي عياض أو بالنظر للأصل المغربي لكل من الإمام البوصيري وأبي بكر البغدادي، فإن هذه الهوية المغربية قد ترسخت أيضا من خلال خصوصية هذا التقليد والمتمثلة  في السرد المنغم لكتاب “الشفا”؛ والذي يعقبه تفسير ما تم سرده وبيان ما استشكل منه، أو في الأنغام والطرائق الفنية والأساليب الأدائية والحلل اللحنية التي حلى بها المغاربة متون الهمزية والبردة والوتريات[28]، بحيث كان اللحن معبرها للانتقاش في الأفئدة والصدور، ومن ثم صارت أداة من الأدوات الرقيقة واللطيفة لترسيخ محبته(ص) في المجتمع المغربي، وتثبيت سنته فيه لما تقتضيه هذه المحبة من متابعة لسنته وشريعته، فقد قال(ص) في الحديث المشهور «من أحيا سنتي فقد أحبني».

وتظهر الحذاقة المغربية في هذا التقليد أيضا من خلال ذاك الزواج الدلالي السعيد، والمناسبة العلمية والفنية، والذوق الأديب البديع والحس الطربي الرفيع، الذي يظهر في التنسيق دلاليا وفنيا بين محاور كتاب “الشفا” ومعاني همزية البوصيري وبردته و ووتريات الإمام البغدادي؛ هذا مع تخليل هذه النصوص بما يلائمها من التواشيح والبراول والمستعملات نغما ودلالة ليتم عند فجر يوم المولد النبوي الشريف ختم المتون الأربعة، في حفل بهيج؛ متلألئ الطقوس؛ بهي الإهاب؛ قدسي النفحات يليق وعظمة المناسبة، ويشير -وأنى له أن يعبر- إلى بعض ما يعتمل في الدواخل من فرح بالمصطفى(ص)؛ لأنه(ص) عين الرحمة. فقد قال (ص): «إنما أنا الرحمة المهداة»، وهذا فرح مندوب إليه لقوله تعالى: )قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا([29].

ومازالت بعض معالم هذا التقليد المغربي الباذخ بادية في العديد من المدن المغربية الأصيلة. وعملت أخيرا وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على بعث هذه المكرمة المغربية الفريدة، وهي مشكورة على ذلك، سواء من خلال إحياء هذه السنة في المساجد والزوايا، أو من خلال التنبيه إليها عبر وسائط الاتصال الجديدة، كما هو الشأن مثلا مع البرنامج التلفزي بقناة السادسة “فرحا بالمصطفى(ص)”، والذي أُعدته مؤسسة “الذاكرين للأبحاث الصوفية وموسيقى السماع” عام 2007  استلهاما من هذا التقليد وبعثا له ولوظائفه الروحية والأخلاقية العظيمة.

الاحتفاء بالبردة والهمزية في المغرب قد اتخذ سبيلا ما برح يترسخ ويتبلور؛ إن في الأوساط الشعبية أو الأوساط الرسمية، منذ العهد الموحدي مع عمر المرتضى ثم في عهود العزفيين ومع المرينيين والسعديين إلى العهد العلوي

وحتى نتبين أهمية هذا التقليد، سنقدم في خاتمة هذا المبحث الوجيز نماذج من الفصول المنتقاة من كتاب “الشفا” للسرد والتوريق خلال الأيام الاثني عشر من ربيع الأول احتفاء واحتفالا بمولد المصطفى(ص)، وهي العناوين التي ألفينا بعض الشيوخ والسلف ينتقونها، وهي فصول قد تختلف أحيانا بحسب اجتهاد السراد والشراح في الزوايا والمساجد، خصوصا وأن عوامل الزمن ومقتضيات التغير لم تعد تسمح بختم المتون المذكورة عند فجر اليوم الثاني عشر من ربيع الأول؛ أي عند فجر ذكرى مولده(ص) كما كان معمولا به إلى غاية النصف الأول من القرن العشرين الميلادي. على أن الشرط المطلوب في تلك الفصول المنتقاة هو أن تتناول مناحي شرفه(ص) وعظمته عند ربه، وكذا صفاته الخِلقية والخُلقية ومعجزاته والآيات التي رافقت ولادته عليه السلام. وهذا نموذج من ذلك مرتب حسب الأيام الاثني عشر من الربيع النبوي وهو عينه ما التزم به البرنامج التلفزي المشار إليه آنفا:

اليوم الأول:                  [فصل] فيما جاء فيه(ص) من المدح والثناء؛

اليوم الثاني:                  [فصل] في إعلام الله تعالى خلقه بصلواته عليه وولايته له ورفعه العذاب بسببه؛

اليوم الثالث:       [فصل] في صفاته الخِلقية؛

اليوم الرابع:                  [فصل] في شرف نسبه وكرم بلده ومنشئه(ص)؛

اليوم الخامس:      [فصل] في تفضيله بالمحبة والخلة؛

اليوم السادس:       [فصل] في تفضيله بالشفاعة والمقام المحمود؛

اليوم السابع          [فصل] في إعجاز القرآن (من معجزاته(ص)؛

اليوم الثامن:          [فصل]في انشقاق القمر وحبس الشمس(من معجزاته(ص)؛

اليوم التاسع:       [فصل] في نبع الماء من أصابعه وتكثيره ببركته (من معجزاته(ص)؛

اليوم العاشر:       [فصل] في إجابة دعائه(ص) (من معجزاته(ص))؛

اليوم الحادي عشر: [فصل] في أخباره وصفاته وعلامات رسالته عند أحبار ورهبان وعلماء ذلك الزمان؛

اليوم الثاني عشر:  [فصل] فيما حدث من آيات ومعجزات عند مولده(ص).

على أن كل هذه الموضوعات مطروقة ومفصلة خصوصا في متني البردة والهمزية، وهو ما أعطى لتقليد التوريق المخلَل بالإنشاد وحدة موضوعية وتلوينا تعبيريا عن ذات المعاني والقيم، وزاد من بهائه وقدرته التأثيرية وتحقيق وظائفه التخليقية والتربوية اعتماد جمالية الترنيم والتنغيم الروحية لما لها من أثر على النفوس وقدرة على فتح أقفال القلوب.

مجمل القول

وعلى الجملة، فإن الاحتفاء بالبردة والهمزية في المغرب قد اتخذ سبيلا ما برح يترسخ ويتبلور؛ إن في الأوساط الشعبية أو الأوساط الرسمية، منذ العهد الموحدي مع عمر المرتضى ثم في عهود العزفيين ومع المرينيين والسعديين إلى العهد العلوي، حيث مازالت تنشد قبسات من نصيهما في المحافل الدينية الرسمية بحضور أمير المؤمنين الملك محمد السادس، كما هو الشأن مثلا في ذكرى المولد النبوي الشريف الذي يحتل في المغرب مكانة رمزية وروحية راسخة وخاصة.

ولا يفوتنا هنا أن نجدد الدعوة إلى ضرورة صيانة هذا الموروث الروحي الفريد الباذخ بتأمين استمرار تداوله وتلقينه وتناقله والمحافظة على أصوله وخواصه وهويته، وكذا بفتح آفاق العناية به بحثا ودراسة وتحليلا؛ إذ يكتنز “العمل الفاسي” وغيره من الأعمال وكذا تلاحين الهمزية في مختلف صورها أسرارا أدبية و طربية بالغة الروعة والألق، تستحث التأمل والدهش، وتُغني روح المنصت الذواق والمنشد المبدع بطاقات تفكر وتدبر وسفر في المعنى؛ لا تتيحه كثير من النصوص السائد إنشادها، ولا تضمنه غزير من التلاحين المُشاد بها والتي تغزو أسماعنا و إعلامنا، منتحلة  تارة الانتماء إلى الأصالة والتراث والتقليد، وتارة الانتماء إلى المعاصرة والإبداع والتجديد.

————————————————–

[1]– ” مفاخر البربر”، مؤلف مجهول، دراسة وتحقيق عبد القادر بوباية، دار أبي رقراق، الرباط 2005م: ص.178-179.[1]

[2]– “ديوان البوصيري”، تحقيق محمد سيد كيلاني، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء (د.ت)، ص.89.

[3]– تتمحور مضامين البردة حول محاور متآزرة وتنتظمها أبواب دلالية متكاملة، حيث يفتتح البوصيري ميميته بمقدمتين، الأولى غزلية تقليدية لكنها ذات منحى روحي ينم عن حب البوصيري للرسولe وشوقه لزيارته؛ لذلك سماها بعض الباحثين “نسيبا نبويا”، أما الثانية فتقوم على جملة من الوصايا والنصائح التي تصب في التحذير من هوى النفس والانقياد لوساوسها. بعد ذلك ينتقل البوصيري في القسم الثالث من بردته إلى مدح الرسول الأكرمe، مبرزا زهده في الدنيا وكمال شمائله وسمو منزلته على العالمين، ثم يتناول في القسم الرابع مولدهe وما واكبه من بشائر وصاحبه من خوارق وآيات (تصدع إيوان كسرى؛ خمود نار فارس؛ جفاف بحيرة ساوة…)، ويفصل في القسم الخامس ما أكرم الله به نبيه من معجزات وخوارق العادات إثباتا لنبوته وإفحاما لخصوم دعوته (سجود الشجر وسعيه نحوه؛ تظليل الغمامة إياه؛ انشقاق القمر بإشارته؛ وقاية الله له عند هجرته…)؛ ويخصص القسم السادس لمعجزة الإسلام السرمدية وهي معجزة القرآن الكريم، والقسم السابع للإسراء والمعراج؛ والثامن لجهادهe وشجاعته وبطولة وتضحية صحابته في المعارك والغزوات. ليختم البوصيري ميميته بالاعتراف بالذنب والاستشفاع بالرسولe ومناجاة الحق سبحانه والتضرع له طلبا لمغفرته ورحمته.

[4] ميزات مغربية لقصيدة البردة”، محمد المنوني، مجلة  “دعوة الحق”، ع.261/1407هـ-1986م: ص.21.

([5]) “تحفة أكياس الناس بشرح عمليات فاس”، المهدي الوزاني الفاسي، تقديم وإعداد هاشم العلوي القاسمي، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المملكة المغربية، 1422ه\2001م: ص. 11.

([6]) “تحفة أكياس الناس”: ص. 25-36.

([7]) “استنزال الرحمات والنفحات بإنشاد بردة المديح بالنغمات”، محمد العابد بن الطالب بنسودة، نسخة مصورة عن مخ بالخزانة السودية بفاس رقم 48 : و.30/أ.

([8]) “حوارات في السماع الصوفي بالمغرب”، لقاء مطول مسجل على أشرطة صوتية أنجزه محمد التهامي الحراق مع شيخ المادحين والمسمعين بالمغرب عبد اللطيف بنمنصور : الشريط رقم.4/الجهة.ب.

([9]) بينما يشمل مصطلح “العمل” البردة والهمزية في “العمل الرباطي”. (حوارات في السماع الصوفي بالمغرب: ش.4/ج.ب). ويُعَبَّر عن تلحين متن الهمزية كاملا دون البردة، في الزاوية الريسونية، بـ”المنهج”. نستفيد ذلك من: منهج تلحين قصيدة الهمزية وكيفية إنشادها بالزاوية الريسونية، نشرة خاصة أنجزها محمد المختار العلمي.

([10]) “حوارات في السماع الصوفي بالمغرب”: ش. 4/ج.ب.

([11]) “استنزال الرحمات”: و.3/ب، و.39/ب – و.59/أ.

([12]) “حوارات في السماع الصوفي بالمغرب”: ش.5/ج.ب؛ ويستعمل مقابل “المراكز” و”المواقف” مصطلح “النُّصُبُ” (مفردها: نصاب) لوصف أقسام تلحين الهمزية في “منهج” إنشادها لدى الزاويتين الحراقيةوالريسونية بتطوان.

[13]– تم توثيق هذا الإنشاد في بعض المدونات التي مايزال بعضها مخطوطا، ومن بينها:

– “فتح الأنوار في بيان ما يعين على مدح النبي المختار” لمحمد بن العربي الدلائي الرباطي (تـ.1285هـ/1869م). (مصدر مذكور سابقا).

– “مقيدة” المهدي بن الطالب ابن سودة (تـ.1294هـ/1877م) عن التلاحين المستعملة في قراءة البردة بالضريح الإدريسي بفاس، خلال القرن التاسع عشر. وقد نشرها الأستاذ محمد المنوني في مجلة “دعوة الحق” ع261/1407هـ-1986م.

– “استنزال الرحمات والنفحات بإنشاد بردة المديح بالنغمات” لمحمد بن العابد بن الطالب بن سودة (تـ.1359هـ/1940م). وهو مخطوط بالخزانة السودية بفاس. وهو قيد التحقيق بكلية الآداب بفاس.

– “قصيدة البردة”، وهو تأليف شعري يوثق لتداول البردة في “العمل الفاسي” مع تخليلها بالإنشادات والمستعملات، أنجزه وسجله على الأقراص المدمجة الشيخ عبد اللطيف بنمنصور، تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية عام 1994.

([14]) راجع المدونات المحال عليها في الهامش السابق.

([15]) إلى جانب “العمل الفاسي” في المديح النبوي يعتبر ميزان “قدام بواكر الماية” في طرب الآلة واحدا من ابتكارات المغاربة التي تجلي “الأسلوب الفاسي” في تجاوز “مفهوم النوبة” اعتمادا على تنويع الطبوع في النفقة الواحدة، إذ يمزج “قدام بواكر الماية” بين عدة طبوع متمايزة مثل: الاصبهانوالماية والحجاز المشرقي والعشاق (راجع هذا الميزان في: الحايك. تـ. بنمنصور: ص.387-395). وعلى الأسلوب ذاته سار سيدي عبد السلام بن ريسون في تأليفه ترصيع النغم لصنائع القدام؛ وهو قدام منوع التلاحين متعدد الطبوع، إذ  يشتمل في الميزان نفسه على صنائع من طبوع: غريبة الحسين والرصد والحجاز الكبير ورصد الذيل والاصبهانوالماية (راجعه محققا في: النهضة الفنية بتطوان قبل سنة 1912، مدرسة سيدي عبد السلام ابن ريسون و دورها، مالك بنونة، ضمن ندوة تطوان قبل الحماية 1860-1912: ص.265-276).

([16]) إن هذا “الأسلوب الفاسي” المتميز عن “منهج النوبة” يوحي بأن المدرسة الفاسية في طرب الآلة والسماع، وخلافا للاعتقاد السائد، كانت أكثر ميلا إلى “التجديد” منها إلى “المحافظة”. يعضد هذا مختلف الإضافات والتعديلات والابتكارات التي أغنت بها هذه المدرسة طرب الآلة والسماع (ابتكار نوبة الاستهلال؛ تحويل أشعار نوبة رمل الماية؛ ابتكار قدام بواكر الماية؛ التغني بالقدام الجديد… ).

([17]) “حوارات في السماع الصوفي بالمغرب”: ش. 5 / ج. أ. نسجل هنا أننا، وللأسف، لا نملك لحد الآن وثيقة تعزز هذه الشهادة النفيسة، كما نلاحظ أن البعد الموسيقي والفني في شخصية حمدون بن الحاج السلمي لم يحظ بعد بما يستحقه من عناية ودراسة رغم العلامات الكثيرة الدالة عليه. وتكفي الإشارة إلى التواشي الأندلسية التي عمرها (“فتح الأنوار”، قسم التحقيق: ص.147/هـ.330، ص.155/هـ.369)؛ والأشعار المديحية والصوفية التي عارضها أو خمسها (“ديوانه العام”، تحقيق أحمد العراقي: 1/27-44، 1/129، 1/139، 1/143، 1/167، 1/177، 1/191، 1/270، 1/272)؛ وتضميناته العديدة للطبوع الموسيقية في أشعاره (2/408، 2/420)؛ وتأليفه الخاص ببيان حكم السماع “إمتاع الأسماع بتحرير ما تبين من حكم السماع”، لكي نتعرف على منزلة الرجل الفنية ومدى عنايته بنصوص السماع وأعلامه وطبوع الموسيقى وأنغامها.

([18]) لـ”العمل الوزاني” خصيصة تميزه، فهو رغم كونه محاكاة لـ”العمل الفاسي” مثل سائر “الأعمال” الأخرى، فإنه يختلف عنه في أسلوب الانتقال من طبع إلى آخر. فإذا كان “العمل الفاسي” يوفر، من خلال التلاحين المستعملة في أبيات البردة، عبورا سلسا من طبع إلى آخر ضمن حلقات نغمية مترابطة ومتناغمة ومتجانسة، فإن كل موقف أو مركز في “العمل الوزاني” يستقل بطبعه أو طبوعه ولا يوفر ما به يتم الانتقال إلى الطبع الموالي داخل تلاحين البردة. بل مفتاح الانتقال هو “الإنشاد”، بحيث يقف التغني مثلا في نهاية “موقف الاستهلال” ويطلب من المسمع أن ينشد “بسيط رمل الماية”؛ لأن الموقف الموالي في البردة يطرب في طبع رمل الماية. وهو ما يقتضي مهارة فنية عالية تؤهل المنشد لاستحضار الإنشاد المطلوب نغما وتسوية، كما قد يجعل المسؤولية الفنية مضاعفة على النفَّاق إذا أراد تسهيل مهمة المنشد والتكفل بابتكار جسور نغمية تصل طبع الموقف / المركز السابق بالإنشاد الموافق لطبع الموقف / المركز اللاحق، وهو أمر يجعل نفقة هذا العمل أكثر صعوبة من غيره، إذ تقتضي مهارة جد استثنائية تضمن سلاسة الانتقال بين الطبوع، وتراعي المحافظة على “التسوية” في طبقة متوسطة تكفل الاستمرار في الغناء براحة ورشاقة أطول مدة ممكنة. (انظر نموذجا لهذه النفقة في: نشرة العمل الوزاني الذي قدمته “جمعية الصفا لمدح المصطفى” بموسم المولى إدريس الأكبر بزرهون سنة 1418/1997).

[19]–  للتوسع حول عناية المغاربة بـ”البردة”، ينظر على سبيل المثال:

“ورقات عن حضارة المرينيين”، محمد المنوني، منشورات كلية الآداب، 2000: ص.533-536؛ “الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه”، عباس الجراري، منشورات مكتبة المعارف، الرباط، 1979: ص.150-151؛ “ميزات مغربية لقصيدة البردة”، محمد المنوني، دعوة الحق، ع. 261، سنة 1986: ص.19-41؛ “بردة البوصيري بالمغرب والأندلس خلال القرنين الثامن والتاسع الهجريين”، سعيد ابن الأحرش، مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الرباط، 1998؛ “البوصيري شاعر المديح النبوي”، عبد الصمد العشاب، مطبوعات الجمعية المغربية للتضامن الإسلامي، 1999: ص.28-38؛ “النظم المطرب بين الأندلس والمغرب”، عباس الجراري، منشـورات نادي الجـراري، الرباط 2002، ص. 83-95؛

[20]– وصل عدد الشروح والحواشي والختمات التي تناولت متن الهمزية في “معجم طبقات المؤلفين” لعبد الرحمن بن زيدان ثلاثين مصنفا. “معجم طبقات المؤلفين على عهد دولة العلويين”، دراسة بيبليومترية وتحقيق حسن الوزاني، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية،2009: ج1(الدراسة).ص.119.

[21]– على هذا المنوال سار صاحب كتاب “استنزال الرحمات والنفحات بإنشاد بردة المديح بالنغمات”، وكذا الشيخ عبد اللطيف بنمنصور في عمل لم يكتب له النشر والإنشاد. ومازالت النفقة المديحية المراكشية تحافظ على هذه المزاوجة  الفنية الأصيلة من خلال حلقات السماع التي تعقد صبيحة كل جمعة بمشهد أبي العباس السبتي بمراكش.

[22]– يعقد لقراءتهما “مجلس سماع” أسبوعي بعد صلاة العصر من يوم الجمعة في الزاويتين الحراقية والريسونية بتطوان. للتعرف على مراسم مجلس “الهمزية الريسونية” انظر”عمدة الراوين في تاريخ تطاوين”، لأبي العباس أحمد الرهوني، تحقيق د. جعفر ابن الحاج السلمي، منشورات تطاون أسمير، تطوان 2009،ج5/ص110. وقد وصف “منهج” إنشادها الشاعر والمسمع والباحث الأستاذ القدير محمد بلمختار العلمي في نشرة خاصة.

[23]– يشهد على حضور الهمزية في “العمل الرباطي” كتاب “فتح الأنوار في بيان ما يعين على مدح النبي المختار” لمحمد بن العربي الدلائي الرباطي، والذي ينسب إليه تلحين هذا العمل. ومازالت بعض تلاحينه الرائعة، على قلتها، متداولة بين جمهور المسمعين، وخصوصا بين فقراء الزاوية الحراقية الرباطية.

[24]– لمزيد من التوسع راجع على سبيل المثال: “الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه”، ص.151؛ “البوصيري شاعر المديح النبوي”، ص.39-41؛ “معلمة التصوف الإسلامي”، عبد العزيز بنعبد الله، المعارف الجديدة، الرباط 2001: 1/195-196. “معجم طبقات المؤلفين على عهد دولة العلويين”:ج1.ص.119.

[25]– نالت كل من “البردة” و”الهمزية” أيضا اهتماما فنيا “عصريا” وفق أساليب الطرب العربي الشرقي حيث قام الموسيقار المرحوم أحمد البيضاوي بتلحين وغناء أبيات من “البردة”، ونحى منحاه الشيخ عبد اللطيف بنمنصور بتلحينه لبعض الأبيات من الهمزية غناها المطرب المرحوم إسماعيل أحمد، والتلحينان معا موثقان في أرشيف الإذاعة الوطنية.

[26]–  وهي قصائد أُنشأت في مدح النبي(ص)، ونُظمت على حروف المعجم، كما جُعلت وترية بحيث تضم كل قصيدة أحدا وعشرين بيتا، التزم فيها الناظم بافتتاح الأبيات بحرف مطابق للروي. مثالها من وترية حرف الألف:

      أصلي صلاة تملأ الأرض والسما           على من له أعلى العلا متبوأ

ومن وترية حرف الباء:

      بأحمد كل الأرض نارت وأشرقت           ففي نوره كل يجيء ويذهب

وعلى هذا النحو تنحو القصائد الأخر حتى يستوفي الناظم كل حروف المعجم. وتُعرف هذه القصائد بـ”القصائد الوترية في مدح خير البرية”؛وبـ”قصائد الوتريات في مدح خير البريات”؛ وبـ”ذريعة الوصول إلى زيارة جناب حضرة الوصول”.وقد طبعت تحت عنوان “ديوان معدن الإفاضات في مدح أشرف الكائنات” (مطبعة الوتريات، بيروت 1310هـ)، ولها طبعات أخرى أغلبها تجاري يفتقد إلى الدقة العلمية.

[27]– هو فقيه شافعي، يذكر أن أصله من قصر كتامة بالمغرب، من تصانيفه: “الروضة الذهبية والحجة المكية والزيارات المحمدية”، و”بستان العارفين في معرفة الدنيا والدين”. اشتهر بوترياته.  توفي 663هـ/1264م.

[28]– راجع بخصوص بعض تلاحينها “فتح الأنوار في بيان ما يعين على مدح النبي المختار”، لمحمد بن العربي الدلائي، وكذا تعليقاتنا على استعمالها في تحقيقنا ودراستنا لـ”فتح الأنوار”، كما يمكن الوقوف على نماذج من تلاحينها في ما يتداول إلى اليوم الزاوية الريسونية بتطوان.

[29]– سورة يونس، الآية58.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى