سلايدرمقالات

في الحاجة الإنسانية إلى الاستلهام من الكمال المحمدي

محمد التهامي الحراق

 دواعي الحاجة إلى الاستلهام من الكمال المحمدي

ربما كان الاحتفاء بالمولد مناسبة للانكباب أكثر على دراسة السيرة النبوية واستحضار كمالات ومحامد ومكارم وشمائل النبي، ترسيخا لمحبته، وتعلقا بسنته، وإحياءً لأسوته، في العقول والقلوب. لكن، في كل احتفاء ثمة احتياج ما يجيب عنه هذا الإحياء وهذا التفكير؛ احتياج من صميم زمان ومكان وأسئلة وانشغالات وإحراجات المحتفين. وهذا شأن تاريخ الاحتفاء بالمولد النبوي الكريم، وهو موقع قرائِي مَنسي؛ إذ لم يكذب تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي الشريف من هذه الزاوية؛ أي من منظور أسئلة المحتفين التي كانت تتجدد مع كل عصر، والتي كانت تجد بعضَ آثارها في أشكال الاحتفال وطبيعة النصوص المستحضرة فيه، فضلا عن الإشارات الظاهرة والضامرة في تقاليد هذا الاحتفال وعاداته وما صدر وأبدع فيه من نصوص بقدر ما تخلد لهذا الاحتفال بقدر ما تضمر الأسئلة التي كانت يحملها المحبون إلى نبيهم، ويطرحونها على أنموذجهم، ويستفتون فيها مرجعيتهم، ويفزعون بها إلى ملاذهم الروحي وحضنهم الرمزي والروحي سيدنا محمد3. وهذه الخلفية لا تفسر فقط امتداد الاحتفال، وإنما أيضا قد تفسر تعدد كتابة السيرة النبوية وتجدُّدَها على مدى تاريخ المسلمين بطرائق وصيغ ومنظورات وتحقيقات وخواطر وتأملات ونظرات وأنماط تقديم وكتابة… كلها تكشف عن الرهانات والتحديات التي حملت كُتَّابها على تجديد محاورتهم لأفقهم المرجعي ووحدتهم القياسية الدينية والحضارية، ممثلة في الأنموذج النبوي المحمدي الخاتم.

في ضوء هذه الخلفية، كيف يمكن اليوم فهم الحاجة الراهنة لطرح الموضوع أعلاه؟

هناك احتياجات ثلاثة على الأقل يمكن الاقتراب منها لمحاولة تفسير ضرورة النظر في هذا الأنموذج من موقع كوني راهن: حاجة وجودية، وحاجة روحية، وحاجة أخلاقية.

أ-الحاجة الوجودية: وتتمثل في المآل الذي ينجرف نحوه الإنسان وهو يصيح يوما بعد يوم في مهب التقنية؛ أي أسيرَ التطور التقني الهائل الذي يفقده زمامه شيئا فشيئا، بحيث صار البعض يتحدث اليوم عما بعد الإنسان Post humanisme  بحيث يذهب التطور الهائل والمتسارع للجانب التقني وللأبحاث الجينية والهندسية الوراثية، ولظهور ما يسمى بالسايبورغcyborg، ويعنون به كائنا هجينا مشكلا من المكون البيولوجي ممزوجا بالمكون التقني الآلي، بحيث يمكن تعديل أعضاء الإنسان أو التكوين الجيني له… إلخ، مما يعني طرح سؤال ماهية الإنسان نفسِه، خصوصا مع مضاعفة وتضخيم ذكائه الحالي بملايين المرات، والذهاب إلى متوسط عمر يتحدث عنه العلماء ما بين 500 إلى 1000 عام، حيث إن البعض يرى أن ما يفصل هذا الإنسان العابر أو ما بعد الإنسان، القادم من الشكل الحالي للإنسان يشبه ما يفصل الإنسان الحالي عن رئيسيات الشامبانزي. إنه إنسان، سيبراني، تتداخل فيه الآلة بالبيولوجيا، والواقعي بالافتراضي، وينفلت فيه الذكاء الاصطناعي من قبضة الإنسان نفسه؛ إذ يذهب نحو التفوق على ذكائه الطبيعي بأضعاف المرات.

عمل الإسلام على إعادة الاعتبار للمكون المعنوي والرمزي لوجود الإنسان حتى لا يذوب مع إطلاق العنان لغرائزه ونزواته ونزوعات الشرفيه باستعمال العلم والتقنية والتطور المنفلتة من ضبطه

هنا ينطرح الاحتياج الوجودي الملح لحماية الإنسان من انزلاقات هذا التطور غير المرشَّد، وذلك من خلال الاستلهام الكوني من مناراته الروحية والدينية والمرجعية والحضارية الكبرى لترشيد وتسديد استعمال العلم وعدم الوقوع في عبادة التقنية، ثم إعادة الاعتبار للمكون المعنوي والرمزي لوجود الإنسان حتى لا يذوب مع إطلاق العنان لغرائزه ونزواته ونزوعات الشرفيه باستعمال العلم والتقنية والتطور المنفلتة من ضبطه؛ فإعادة الاعتبار لهذا الأفق الرمزي المعنوييلبي الحاجة الوجودية الملحاحة للإنسان المعاصر.

ب- الحاجة الروحية: ونعني بها مواجهة المادية الجارفة، والاستهلاكية المتوحشة، والنزعة التشييئية للإنسان، وفقدان الوجهة والمعنى كما هو باد في الإقبال الجنوني على الاستهلاك وعلى تأليه الربح وتغليب ثقافة الإغواء على ثقافة التنعم، وتغليب نموذج المتعة على نموذج النعمة.

ج- الحاجة الأخلاقية:  وتعني إعادة الاعتبار إلى المرجعية القيمية التي تجعل من الإنسان إنسانا له أفق أخلاقي يضبط به العلم والاجتماع والسلوك والتربية والإعلام والتجارة من أجل مشترَك أخلاقي إنساني يغلّب ثقافة السلام مع الأديان والمحبة على العنفوالكراهية، وينتصر للتعايش على الصراع، أو للقبول بالآخر على الإلغاء والاجتثاث.

هذه احتياجات ثلاثة تدعونا اليوم إلى طرح الأنموذج الكمالي المحمدي بما هو أفق كوني للاستلهام من أجلالإجابة عن هذه الاحتياجات الثلاثة المصيرية. وقد سبق للإنسانية أن وقعت في كوارث حين ألغت التعالي وزهدت في الأخلاق الدينية وذهب بالمغامرة العقلية نحو الاستقلال بتدبير الحياة بعيدا عن كل صلة بمصادر الروح والغيب والمعنى المتعالي، نشير هنا إلى تجربة الأنوار الأوربية التي طردت الدين من الحياة، وأوهمت الإنسان بقدرته على الاستقلال عن السماء، فإذا به يعيث في الأرض حروبا عالمية ونزوعات استعمارية وأنظمة شمولية ونزعات عنصرية. مما أبرز أهمية الأديان بما هي مصادر روحية وأخلاقية قادرة، من خلال قراءة عقلانية رشيدة، على تلطيف الوجود وتوجيه الإنسان روحيا ورمزيا وأخلاقيا وقيميا للبذل من أجل حماية إنسانيته من غواياتهِ نفسها.

الكمال معناه تحقق تمامَ المكارم في رسول الله لقوله عليه السلام: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. وهذا لا ينزع عنه بشريته صلى الله عليه وسلم، بل يفتح أفقا وأملا وإمكانا لبلوغ مرتبة عليا في مكارم الأخلاق

الكمال المحمدي.. بأي معنى؟

حين نطرح هنا عنوان “الكمال” فبالمعنى الذي فهمه العلماء والعرفاء المسلمون، والذي يشيرون به إلى الأنموذج المقالي والحالي، التوجيهي والسلوكي لرسول الله. فهم يتحدثون عن “الأسوة الحسنة”، وعن “نبي الهدى” و”القرآن المجسد” في رسول الله. إنه “الإنسان الكامل”، كمالا أخلاقيا بشريا ولا صلة له بالكمال المتعالي والإلهي المطلق، ولكن هذا الكمال معناه تحقق تمامَ المكارم في رسول الله لقوله عليه السلام: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. وهذا لا ينزع عنه بشريته صلى الله عليه وسلم، بل يفتح أفقا وأملا وإمكانا لبلوغ مرتبة عليا في مكارم الأخلاق من لدن الإنسان المجتهد والمجاهد الباذل للتخلق والتحقق بهذه المكارم.

وهو كمال يترجم على الأرض كمال الدين الوارد في القرآن الكريم. قال تعالى: )الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا((المائدة، الآية 3). وهو كمال أخلاقي ديني يؤسس لخيرية أمة بوصفها خيرية أخلاقية قال تعالى: )كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ((آل عمران، الآية 110). إنها خيرية أخلاقية، لكنها أخلاقية إيمانية، غير وضعانية، ولا مقطوعة عن التعالي والمقدس والمطلق والغيب؛ خيرية تسبح بين الملك والملكوت، بين السلوك المرئي والمعنى اللامتناهي، وهو ما يجسده الكمال المحمدي الناشئ بين التاريخ والتعالي.

بين النبوة والبشرية

هنا يلزم الوقوف عند جدلية النبوة والبشرية في الشخصية النبوية المحمدية، وهي التي تشير إليها في بهاء لا نظير الآية الكريمة:(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُم ْإِلَٰهٌ وَاحِدٌ) (الكهف، الآية 110)؛ فالبشرية إحالة على “الإنسان من حيث هو كائن متواضع وزائل، إذ مادته المتشكل منها مندورة للفساد، فهشاشته تجعل من ألوهيته أمرا مستبعدا باعتباره صورة الرب”[1]. والبشرية بهذا المعنى، هي نفي كل تأليه أو خلط بين الرسول ومرسِله، ثم إنها من جهة ثانية شرط في الرسالة والتبليغ، وشرط في البيان والاقتداء والائتساء؛ لذلك كان لابد للرسول أن يكون من جنس من بُعِث إليهم. قال تعالى:

(وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً، قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً، قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) (الإسراء: 95-96). وهذه العلاقة الجدلية بين بشرية المصطفى ونبوته يلخصها أيضا البيت الشعري السائر بين أهل المغرب:

محمد بشر لا كالبشرِ — بل هو كالياقوت بين الحجر

على أن البشرية المحمدية وظيفية مثلما نبوته وظيفية كذلك. وهنا نسجل أن تأكيد بشرية الرسول رفع من مكانته في قلوب ووجدانات وعقول المسلمين، تكتب كلود عداس: “والحق أن توكيد بشرية النبي الذي يقوم به الوقت، بدل أن ينقص منه في عيون المؤمنين قد عضد الحماس لتبجيل شخصه، بما تمكَّنَ به المؤمن من التعرف على نفسه فيه إلى حد ما؛ لأنه كان بشرا عرف السعادة في عناق شخص عزيز عليه، كما عرف الألم بمواراة أهله التراب، أي أنه كان شخصا جرَّبفي الدنيا الفرح والعذاب اللذين يعرفهما كل البشرية”[2].إن البشرية بهذا الاعتبار تعتبر تشريفا، مثلما تعتبر البشرية ” بشرى للمؤمن من حيث إنها تبرهن بأن لا شيء في الإنسان يمكن أن يكون عائقا في وجه كماله الأصلي”[3].

إذا كان من الممكن أن يُتَصور أن الإنسان بمقدوره الشكّ في الله في تعاليه، فإنه لا يمكن إلا أن يلتقي به في عظمة الإنسان، وقد يكون هذا هو ما ورد في القرآن الكريم من كون الله وملائكته يصلون على النبي

البعد الإنسي في الكمال المحمدي

هناك بعد إنسي روحاني كوني يتبدى فيفعل صلاة الله وملائكته على النبي الكريم. قال تعالى: )إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا...( (الأحزاب، الآية 56)؛ فهذه الصلاة هي، في بعد من أبعادها، تمجيد للتعالي في الإنسان، ومن ثم فهي تعظيم للإنسان؛ إذ خُص بها دون غيره من المخلوقات، وتشمل النبي والمومنين الصابرين كافة، قال تعالى: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ” (البقرة، الآية 157). وكيفما كان معنى الصلاة هنا، دعاءً أو رحمةً أو مِنَّة، فإنها تضمر تعظيما للإنسان وتمجيدا مستمِرا له، وكأنها استئناف لسُجودِ الملائكةِ له. إنه استئناف إحيائي للنفخة المتعالية السارية فيه، والتي تنبجس كلما تحقق بالتعالي في بشريته لا بإلغائها؛ وهذا ما يشكل حقيقة الاستخلاف الإلهي للإنسان، ويتحقق قرآنيا في التاريخ من خلال النموذج البشري الأخلاقي للإنسان الكامل  الذي يمثله رسول الله. يكتب سليمان ديان: “عندما يهتف الشاعر: “يمكنك أن تنكر الله، ولكن لا يمكنك أن تنكِرَ كرامة النبي”، فإن المقصود من هذا الكلام هو أنه إذا كان من الممكن أن يُتَصور أن الإنسان بمقدوره الشكّ في الله في تعاليه، فإنه لا يمكن إلا أن يلتقي به في عظمة الإنسان، وقد يكون هذا هو ما ورد في القرآن الكريم من كون الله وملائكته يصلون على النبي على الرغم من تأكيد القرآن على بشرية النبي العادية”[4].

وينطرح هنا سؤال رئيس حول المقصود بكونية الكمال المحمدي: أليس في هذا نزوع إلى تأحيد سلوك الناس وتنميطه وفق “ثقافة سلوكية” معنية، وفرضها على العالمين باسم الكونية؟ ما الفرق بين دعوى الكونية هنا ودعاوى الكونية التي تسعى إلى الهيمنة والسيطرة وإلغاء المختلف باسم الكونية؟

إنسية كونية الكمال المحمّدي

إن كونية الكمال المحمّدي ليست نابعة من سلطة معينة، ولا تسندها إرادة هيمنة بقدر ما هي نابعة مما تعرضه من قيم ومنظومة أخلاق هي أخرى إلى الفطرة البشرية، فقيم الإيثار ومناهضة الظلم والتخلق بالتعاون والتضامن والرحمة وحسن الظن والإحسان وبر الوالدين وحسن الجوار والحِلم والكرم والتواضع والإخلاص والصدق والوفاء والصبر والشكر والحب والجمال… إلخ، لا يمكن إلا أن تشكل مشتَرَكا قيميا إنسانيا، مهما كانت المداخل وأمكنة القراءة وزوايا الاقتراب، ومن ثم يصير حديثنا على “الكمال المحمدي” حديثا عن “الكمال الإنساني”؛ أي عن مجلى لتمام مكارم الأخلاق التي تضافرت كل البشرية في صياغتها والذود عنها.

كونية الكمال المحمدي إنسية؛ وليست كونية هيمنة عرقية أو عقدية أو ثقافية أو لغوية أو اقتصادية.. إنها كونية يجد كل إنسان مؤمن بتلك القيم مشروعَه فيها، وهو ما يؤسس مشروعية هذه الكونية مقارنة مع أشكال الهيمنة الليبرالية أو الاستعمارية

طبعا يحتاج هذا الكمال المحمدي إلى تظهير وإبراز وتجلية، ويحتاج إلى إعادة قراءة للسيرة المحمدية بعيون أخلاقية معاصرة؛ قراءة تذهب إلى النصوص بأسئلة التاريخ والاعتبار والفقه والتخلق، مثلما تذهب إليها لتقرأها من زاوية إنسية فلسفية رحموتية كونية كما وضحنا ذلك في دراستنا لـ “معالم البعد الإنسي في الشخصية المحمدية”.

كونية الكمال المحمدي، إذن، إنسية؛ وليست كونية هيمنة عرقية أو عقدية أو ثقافية أو لغوية أو اقتصادية… إلخ. إنها كونية يجد كل إنسان مؤمن بتلك القيم مشروعَه فيها، وهو ما يؤسس مشروعية هذه الكونية مقارنة مع أشكال الهيمنة الليبرالية أو الاستعمارية أو العولمية التي تنتحل شعار الكونية. فقد مورس القتل والاستعمار والغزو باسم هذه الكونية؛ تلك التي تزعم امتلاك الحقيقة العليا التي على الجميع أن يؤمن بها ويخضع لها، يأخذ بها ويعيش عليها إذا أراد الحياة. بخلاف ذلك، هنا الحقيقة الرئيسة هي “تكريم الإنسان”، نعم المدخل هنا نوراني ميتافيزيقي إسلامي، لكن السلوك بشري إنساني. وهذا الأخير هو المطلوب ضمن المشترك الإنساني، فيما يبقى العنصر الأول موضوع حرية اعتقاد، (..فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)(الكهف، الآية 29).  ومعلوم أن النبي وقف أمام جنازة، فلما أخبر أنها جنازة يهودي، قال كلمته الذهبية: “أليست نفسا[5]؛ أي أليست حياة كان يسري فيها “النَّفَسُ الإلهي”؛ أي النفخة الأزلية الإلهية؛ قال تعالى:(فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)(الحجر، الآية 29).

إن الوقوف المحمدي هنا يقابل سجود الملائكة لآدم في بدء الخلق؛ فهذا السجود مُتَعلَّقُه النفخة لا الصلصال؛ سجودٌ لم ينحجب بالصورة الخارجية عن حقيقة المسجود له، كما حصل مع الشيطان “الأعور” الذي لم يدرك من آدم إلا صورته الخارجية[6]. وكذلك النبي الكريم هنا لم ينحجب بظاهر عقيدة الميت المخالفة لشريعته عن أصله بوصفه نفْسا مخلوقة ونَفَسا ربانيا ساريا في خلقه. إنه وقوف وتكريم للأصل لا للفرع، وللحقيقة لا الصورة. إنه الأصل بما هو معنى رباني مؤسس على الحرية، لا على ما صَدق هذه الحرية ومخرجاتها، فهذه الأخيرة متعلقة آنئذ بمسؤولية صاحبها، “كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ” (المدثر، الآية 38)، و”لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ” (البقرة، الآية 286) ، وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى” (فاطر، الآية 18).

الكتابة التاريخية، وهي تستند إلى الوثائق والقرائن والمستندات لا تخلو، لبعد الشّقة الزمنية، من إعمال لقصدية البناء وصياغة الماضي وترميم الذاكرة انطلاقا من هواجس الحاضر وإمكانات إعادة الصياغة والبناء

كيف نتحدث اليوم عن رسول الله؟

أجدني من موقع المؤمن المُحِب لنبيه، المقتنع بأنموذجية مثاله الأخلاقي والروحي، كما صاغته أشواق وآمال وأشواق، وبلورته طموحات في كمال القيم، انبثقت من رحم الصراع والشك ومفارقات التاريخ؛ أجدني غير معني كثيرا بتلك “المقاربات التاريخية” المهووسة بكتابة الوقائع والأحداث وتسجيلها في تاريخيتها “كما وقعت”؛ ذلك أن الكتابة التاريخية، وهي تستند إلى الوثائق والقرائن والمستندات لا تخلو، لبعد الشّقة الزمنية، وذهاب التاريخ في أغوار الذاكرة بلا عودة؛ لا تخلو من إعمال لقصدية البناء وصياغة الماضي وترميم الذاكرة انطلاقا من هواجس الحاضر وإمكانات إعادة الصياغة والبناء، حيث الحضور الواعي أو اللاواعي لأسئلة المؤرخ وزمنه وآثار منهاجه وحدوسه وخيالاته، وهو ما يجعل التاريخ “محكيا” بِمدادِ الحاضر ورهاناته. ويجعل التعدد في هذه “المحكيات” أمرا “معقولا”؛ بل تناقض هذه “المحكيات” لا محالة حاصل.

ولذا نختار أن نترك “العمل التاريخي” في قارته التي لا تعدم أهمية في سياق مسار علمي مفتوح؛ لننصت نحن، بأذن “أفق تأويلي إيماني”، للموروث السيري المحمدي؛ أفق يروم الإسهام في بلورة أنموذج معياري روحي وأخلاقي يجدد وظيفة “النبي” على مستوى تغذية الشوق للكمال، وتفجير طاقات الإرادة لتجاوز تراكم الإحباطات، وصدِّ أسباب اليأس وسد مسالك العدمية، وهي آفاق تحتاج أن نسهم بإبداعية في اجتراح لغة مخصوصة للحديث عن رسول الله؛ لغة تفيد من الطفرات العلمية للأزمنة الحديثة مثلما تستفيد من أزماتها وتجترح من إشراقات الروح البشرية في مختلف لحظاتها التاريخية ما به تفتح، من خلال “النافذة المحمدية”، متنَفَّسًا جديدا ومُنعشا يخلِّص من بعض اختناقات الحداثة وما بعدها وجوديا وروحيا وأخلاقيا.

الإسهام في كتابة صفحات التاريخ

إنه، أفق تأويلي رحموتي كوني، رحموتي لأنه يسعى إلى أن يكون أفقا يسع كل شيء، (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)(الأعراف، الآية 56)، أو قل يسع العالمين:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين)(الأنبياء، الآية 107)؛ وكوني لأنه يشمل الإنسان والطبيعة، الملك والملكوت، الشهادة والغيب؛ أو قل التاريخ والتعالي:(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ)(الكهف، الآية 110).يتعلق الأمر بورشة تأويلية ما تفتأ تعيد اجتراح لغة خاصة في الحديث عن الوحدة النبوية القياسية وجوديا وروحيا وأخلاقيا؛ لغة بقدر ما تخاطب العقول تغذي الأرواح، لغة حقيقتها في قوة ما تثير في متلقيها من قدرة على الخروج من رتابة الوجود، وتجديد الشغف في الحياة، وتوليد طاقات تحدي محدودية الإنسان، بما يدفع الإنسان نحو استثمار مفارقاتِه لتكون قوةً خَلَّاقة تذهب به نحو تحقيق “الكمال” المنشود في الأرض؛ على أنه كمال دائم التجدد بما ينفع في تجديد الخلق وجعل عملية الخلق مستمرة، لا بما ينسف الإنسان ويدمر القدرة على الخلق المستمر.

حقيقة أي حديث عن الرسول تكمن في قدرته على تجديد “نبوة” الرسول في العقول والأرواح، وإيقاد شعلتها غير القابلة للوصف، في الدخائل والسرائر، والبادية طاقتها الإبداعية الخلَّاقة في سعي “المؤمنين” إلى التغيير الدائم لأنفسهم 

مثل هذا الأفق، لا يلتفت إلى “الحقيقة” في الماضي، بل يؤمن بتولُّدِها المستمِر في مستقبل مفتوح، يصوغه الإنسان بما يغذي آماله في “الكمال”، وبما يحركُ شغفَه إلى القبض على “المطلق” في “التاريخ”؛ لغة بهذا الطموح الأنطولوجي لابد أن تفيد من العلم والأدب الفلسفة والفنون والثقافات المتنوعة. وهنا تكمن “حقيقية” أي “حديث” عن الرسول في قدرته على تجديد “نبوة” الرسول في العقول والأرواح، وإيقاد شعلتها غير القابلة للوصف، في الدخائل والسرائر، والبادية طاقتها الإبداعية الخلَّاقة في سعي “المؤمنين” إلى التغيير الدائم لأنفسهم، ومن ثم الفعل في التاريخ بما يصنع المنعطفات، ويخطو بالإنسان نحو “الكمال” المنشود، أو نحو الإسهام في كتابة المطلق في صفحات التاريخ.

من هذا المنظور، يصبح كل ما يخدم هذا الأفق الإنسي الرحموتي الكوني، مما يستوعبه العقل المنفتح المعاصر، عنصرا “حقيقيا” في رسم صورة “النبي” بالنسبة للمؤمن المعاصر. وهي صورة لا تتناقض مع المعالم العامة لـ”الكمال” الإنساني المشترَك في كل الثقافات واللغات، وهي المعالم التي تستمد التوافق عليها من ملاءمتها لـ”الفطرة”، مثلما تستمد انتماءها لـ”الفطرة” من التوافق التاريخي والعفوي حولها رغم تعدد المشارب الثقافية والمرجعيات الاجتماعية والتاريخية والعقدية والإيديولوجية.

الكمال المحمدي قوة لتوليد الأفق الإنسي الكوني

بهذه المثابة، تصبح  محبة “النبي”، بالفعل، مدخلا لا مندوحة منه لجعل الأنموذج حيا في كينونة المؤمن، عقلا روحا، يقظة ومناما، واقعا وخيالا، عملا وإمكانا. وفي ضوء هذا الفهم، تجد كثير من النصوص العرفانية، التي ألقت بها القراءة العقلانية الوضعانية في سلة الخرافة و”الأسطورة” بإحالتها السلبية والقدحية، وألقت بها القراءة السلفية الحرفية في سلة “البدعة” و”الإحداث في الدين”؛ تجد تلك النصوص العرفانية مكانها ومكانتها عبر قدرتها على بث الحياة في الكينونة الباطنية للمؤمن، وتحويل الأنموذج المحمدي المؤتسى بهِ إلى قوة تاريخية فعالة، في الوقت الذي تصبح فيه الآثار التواكلية والانعزالية والخمودية لبعض تلك النصوص ليست سوى آثار جانبية نجمت عن إخراج تلك النصوص من نسقها الوجودي والروحي والأخلاقي الفعال، حين قرئت من موقع الانهزام التاريخي وحين صار الإحباط والنكوص مُوَجِّهين لقراءتها بدل أن تكون تلك النصوص مبَدِّدَة لهما، كما كان الشأن في لحظات الفعل التاريخي.

هكذا يتبدى أنه يمكن الحديث عن النبي من مواقع قرائية مختلفة، وحسب ذاك الموقع تصبح فكرة النبوة فاعلة في التاريخ أو على هامشه. ولما كانت طاقة العلاقة الباطنية للمؤمن بالنبي مكتنزة لعنفوان بلا نظير، وجب استثمار ذلك من داخل النسق الحديث لتجاوز مضايق الحداثة وانحرافاتها، وهو ما يقتضي تجديد الاجتهاد في الحديث عن رسول الله “ص” بقدر تجديد شعلة محبته، بحيث يتوازى ويتحايث الاجتهاد العقلي والمجاهدة القلبية لتجديد البعثة المحمدية في العقول والأرواح هنا والآن؛ ويغدو، فعلا وحقيقة، الكمال المحمدي قوة لتوليد الأفق الرحموتي الإنسي الكوني؛ هذا الأفق الذي يجعل الكمال مشروعا مُحرِّكًا للتاريخ، ومُنقذًا للإنسان من ألوان العدمية التي صارت تطوقُه خارجَ مصادر المعنى، والتي ما تفتأ الحداثةُ المعطوبة، وجوديا وروحيا وأخلاقيا، تعمل على تجفيف منابعها الممكنة.

المسلمون على امتداد التاريخ ظلوا يعيدون كتابة السيرة النبوية، للتعبير عن المنحى الحواري المتجدد عبر التاريخ للمسلم مع نبيه وأنموذجه الروحي والأخلاقي

ينبغي التأكيد، هنا، أن هذا الأفق الذي نشير إليه لا يرمي إلى الانخراط في “علمنة حثيثة وحادة لشخصية النبي حتى تصبح قابلة للاستعمال العمومي داخل شبكة القيم والمعايير التي فرضتها الرؤية الحديثة للعالم وللإنسان”[7]، والتي تختلف عن “التصور الديني لرسول الله  في أفق الملة”[8]؛ بل ما نرمي إليه هو الإسهام في تقديم قراءة لسيرة النبي “ص”، تستجيب لأسئلة المسلم المعاصر بوجه خاص، والإنسان المعاصر بوجه عام، دون التفريط في البعد النبوي والروحي لشخصية النبي؛ إذ هذا البعد من أبرز عوامل تثمير الأفق الإنسي في سيرة النبي الكريم، بما هو أفق إنسي روحاني يعيد تثمير وترتيب الصلة بالقداسة والتعالي، ويخدم الإنسان المعاصر بمناحيه ومقوماته المختلفة، كما أوضحنا ذلك في مواضع أخرى.

لنذكِّر، هنا أيضا، بأن المسلمين على امتداد التاريخ ظلوا يعيدون كتابة السيرة النبوية، للتعبير عن هذا المنحى الحواري المتجدد عبر التاريخ للمسلم مع نبيه وأنموذجه الروحي والأخلاقي. ضمن هذا المسار تأتي محاورتنا مع سيرة النبي؛ محاورة تعترف بهويتها التأويلية، على اعتبار أن “الكمال المحمدي” إطار روحي وأخلاقي يشكل نقطة مرجعية للمسلم، وأفقا كونيا من داخل دينه للكمال الأخلاقي المنشود والمفتوح على المستقبل. ولذا، فبقدر ما تنفتح هذه القراءة التأويلية على قيم الحداثة وأسئلتها، بقدر ما تعمل تأويليا على نزعِ “نزع السحرية” من التعامل مع الأنموذج النبوي، بما يجدد من حضور روحانية هذا الأنموذج ليست كما كانت تحضر النسق الديني القروسطي المعادي للعقل والعلم، بل بما هي قوة تنويرية مسدِّدَة لانحرافات الأخلاق المفصولة عن التعالي في السياق الحديث.

وما استحضارنا للمرجعية العرفانية في هذا الأفق إلا تأكيد على التجذر التاريخي لأفق إنسي روحاني منسي تبلور داخل الثقافة الإسلامية، ويشكل سندا استثنائيا لتجديد حضور الروحانية ضمن الأفق الحديث بما يرفع التناقض الجذري بين الإنسية والدين في القراءة التأويلية المنشودة، وهو التناقض الذي يشكل رافدا من روافد تلك العلمنة التي تعرضت لها شخصية النبي، ومُحدِّدا خلفيا من محددات الرؤية الحديثة للعالم.

————————————–

[1]– عداس، كلود، “البيت المحمدي…نظرات على محبة النبي في التصوف الإسلامي“، ترجمة فريد الزاهي، توبقال، الدار البيضاء، 2018، ص.21.

[2]– “البيت المحمدي…“،م.س، ص.23.

[3]– نفسه، ص. 24.

[4]– ديان، سليمان بشير، “الإسلام والمجتمع المفتوح، الإخلاص والحركة في فكر محمد إقبال“، ترجمة محمد سيد ولد باه،.. ص.97.

[5]–  جاء في البخاري من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قَالَ:”كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَاعِدَيْنِ بِالْقَادِسِيَّةِ, فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ, فَقَامَا, فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ – أَيْ: مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ – فَقَالَا: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ, فَقَامَ, فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ, فَقَالَ: أَلَيْسَتْ نَفْسًا ( “صحيح البخاري“، كتاب الجنائز; باب من قام لجنازة يهودي).

[6]– “البيت المحمدي”،م.س، ص.21/هـ12.

[7]– المسكيني ، فتحي، “فكرة النبي في الفكر المعاصر“، مجلة “تأويليات“، ع1، شتاء 2018، ص.48-49.

[8]– نفس المرجع، ص.49.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى