لوامع محمدية

-اللمعة 2- شرف نسب المصطفى صلى الله عليه وسلم

فضيلة الأستاذ محمد التهامي الحراق

اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره ومقدراه العظيمْ“.

*    *     *

في إضاءتنا التاريخية للمعة الثانية، سنتعرف على أولِ من دعا للاحتفال بهذه المناسبة الغراء في المغرب، والمقاصدِ التي كان يطلُبها من ذلك.

أولُ من دعا إلى الاحتفال بعيد المولد النبوي الكريم في المغربِ هو أبو العباس العَزَفِي السبتي المتوفى سنة 633هـ. وفي مقدمة الكتابِ الذي بدأ تأليفَه: الدرُّ المنظمْ في مولدِ النبيِّ المُعظَّم، يَذكُر الحافزَ الذي حدا بهِ إلى الدعوةِ لهذا الاحتفال؛ ذلك أن أبا العباس العزفِي لاحظ متابعةَ المسلمين ومجاراتَهم للنصارى في احتفالِهم بأعيادالنيروزوالمهرجان وميلاد السيد المسيح عليه السلام، فدفعتُه غيرتُه على الإسلام والمسلمين في الأندلس وخوفه على هويتهم ودينهم إلى أن يفكرَ في ما يدفع هذه المناكر ولو بأمر مباح. فكان أن انتبه إلى ضرورة العناية بمولد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فبدأ يطوف على الكتاتيب القرآنية بسبتة ويشرح لصغارها المغزى والغاياتِ الفاضلةَ من هذا الاحتفال، كما حض على تعطيل قراءة الصبيان في هذا اليوم العظيم. وهكذا انطلق هذا الاحتفال كشكل من أشكال مقاومة تقليد المسلمين  للمسيحيين في احتفالاتِهم الدينية.

ولماتولىابنُهأبوقاسمالعزفيإمارةسبتة،كانمنإنجازاتِهأنحقَّقرغبةوالدهفاحتفلفيسبتةبالمولدالنبويفيأولربيعمنإمارتهعام 648هـ. ويصف ابنُ عَذَارى المرَّاكُشِي في كتابهِالبيان المُغرِب في أخبارِ الأندلسِ والمَغرباحتفالَ أبي قاسم العزفي في أول ربيع له بالمولد الكريم، فيكتب: «ومن مآثره العظام، قيامُه بمولد النبيعليه السلاممن هذا العام، فيُطعِمُ فيه أهلَ بلده ألوانَ الطعَام، ويُؤثر أولادَهم ليلةَ يوم المولِد السعيد بالصَّرفِ الجديد من جملة الإحسان إليهم والإنعامْ، وذلك لأجلِ ما يُطلقُون المحاضرَ والصنائعَ والحوانيتَ يمشونَ في الأزقَّةِ يصلون على النبي عليه السلام. وفي طول اليوم المذكور يُسمِّع المسمعونَ لجميع أهل البلد مدح النبي عليه السلام، بالفرح والسرور والإطعام للخاص والعام، جارٍ ذلك على الدوامْ، في كل عام من الأعوام».

*    *     *               

لم تزل في ضمائر الكون تختا       ر لك الأمهـــاتُ والآبــــــــاءُ

ما مضت فــترة من الرسل إلا       بشرت قومَهــــا بك الأنبيــاء

تتباهى بك العصــور وتسمـُـو       بك علياءُ بعدهــــا عليــــــاءُ

وبـــــدا للوجـــودِ منك كريـــمٌ       من كريــمٍ آبــــــاؤه كرمـــاءُ

حاز المصطفى صلى الله عليه وسلم الشرفَ من أطرافه، فكان شريفاً حساً ومعنى، صورةً ومعنىً، ظاهراً وباطناً، مظهراً وجوهراً، طيبا من سلالةِ الطيبين، بل أشرفَ الأشرافِ وأطيبَ الطيبين، لم يدخلِ السِّفاحُ قطُّ دوحتَه الشريفةَ، من آدمَ إلى أبيه عبدِ الله، فقد قال صلى الله عليه وسلم:” ((وُلِدتُ منْ نكاحٍ و ليسَ مِن سِفَاحٍ )) ( رواه البخارى). وفي روايةٍ أخرى أوردها ابن سعدٍ في طبقاتِه، قال عليه السلام: (( إنمَا خرجتُ من نكاحٍ ولم أخرُجْ من سِفاحٍ، من لدن آدمَ لم يُصبْنِي من سفاحِ أهلِ الجاهليةِ شيءٌ، ولم أخرج إلا من طُهْرِهِ)) .

لذا قال الشاعر:

    حفـــِــظَ الإلـــَــــهُ كرامةً لمحــمدٍ       آباءَه الأمجادَ صـوْناً لاســمـِـهِ

    تَرَكوا  السّفاحَ  فلمْ  يُصبهم  عـارُهُ       مـن آدمٍ وإلـى أبـيـهِ وأمــِّـهِ

و مثلما اختار له الحقُّ سبحانهُ أطهرَ الآباءِ، فقد اصطفى لَهُ أشرف البيوتِ والقبائل، فعن واثلةَ بنِ الأسْقَعِ رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إن اللهَ اصطفَى مِن ولدِ إبراهيمَ إسماعيل، واصطفَى من بني كنانةَ قريشاً، واصطفَى من قريشٍ بني هاشم، واصطفانِي من بني هاشم)) قال الترمذي: وهذا حديث صحيح. لأجل هذا كان نَسَبُ المصطفىَ عِقدَ سؤددٍ وفخارٍ، وكان صلى الله عليه وسلم يتيمةَ هذا العِقد التي لا تُضَاهى، كما وصف ذلك برونقٍ إمامُ المادحين شرفُ الدين البوصيري فيهمزيتِهقائلا:

نــسبٌ تــحسِب الــعلا بحـُـلاهُ       قلدتْهــا نـجومَهــا الجـــوزاءُ

حبذا عِقــدُ ســُــؤددٍ وفخــــارٍ       أنت فيـــه اليتيمــةُ العصمـــاءُ

*    *     *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى