لوامع محمدية

-اللمعة 5- فضل الصلاة على المصطفى صلى الله عليه وسلم

فضيلة الأستاذ محمد التهامي الحراق

اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، ناصِرِ الحق بالحق، والهادي إلى صراطِكَ المستقيم وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم“.

*    *     *

  في الإضاءة التاريخية للمعة الخامسة، مازلنا مع عناية المغاربةِ بالاحتفال بالمولد النبوي الشريف في العهد المريني. فقد كانت تُواكِبُ الاحتفالاتِ الرسميةَ التي أشرنا بإيجاز إليها في الحلقة الماضيةِ، كانت تواكبُهاَ احتفالاتٌ أخرى شعبيةٌ، حيث تُقام الأفراحُ وتستنير المدن بالأضواء، ويَتجمَّلُ الناسُ وتُزيَّنُ المُدُنُ. وصار يومُ الثاني عشر من ربيعٍ الأولِ يومَ دخولِ الصبيانِ بفاس للكتاتيبِ القرآنية، ومناسبةً لختانِ الأطفال. ومنذ العصر المريني، أصبَحَ من التقاليد المغربية السائدة ِوالسائرة في المدن العريقة والأسرِ الأصيلة اغتنامُ مناسبةِ الاحتفال بالمولد النبوي للقيام بختانِ الأطفال، حتى صارتِ اليومَ هذه المناسبةُ موسماً لإقامة حفلات إعذار جماعي بالعديد من الزوايا والمزارات، كما تبنَّتْ هذا التقليدَ جملةٌ من المجالسِ العلمية المحلية وجمعياتُ المجتمع المدني ذاتُ الطابع الاجتماعي والإحساني.

وإلى جانب هذه المظاهر الاحتفالية على العهد المريني، دأب الصوفيةُ على الاحتفال بهذا العيد بزواياهم أو بالبيوتات الخاصة. فهذا أبو مروان عبد الملك الريفي أحدُ تلامذة أبي محمد صالح الماجَري دفينِ آسفي، يقيمُ المولدَ النبويَّ في منزله بسبتةَ بحضور المريدين ومن إليهم، ويَستعمِلُ في الليلةِ السماعَ. كما أن شعراءَ الملحون في هذا العهد كانوا يتبارون لإظهارِ براعِتِهِمُ الشعريةِ بمناسبة المولد النبوي، حيثُ يجتمعون صباح يوم العيدِ في الميدان الرئيسي، ويعتلون المنصةَ واحداً تلو الآخرَ لإلقاءِ أشعارِهِم وقد تجمهرَ عليهم الناسُ، ثم يُنَصَّبُُ أميراً للشعراءِ مَن أحرزَ منهم قَصَبَ السَّبْق“. ويُذكر كذلك أن السلطانَ المريني كان يُقيم حفلاً بهذه المناسبةِ يستدعي لهُ رجالَ العلم والأدب، وأن الشعراءَ كانوا يُلقونَ القصائدَ أمامه فيُنعِمُ على الفائزِ الأول بمائة دينارٍ وفرسٍ ووصيفٍ وحُلَّتِه التي يكونُ لابساً في هذا اليوم، ويَمْنَحُ سائرَ القرَّاء خمسين دينارا لكل واحد“.

*    *     *

لعل من أبرزِ المقاصد الدينيةِ المطلوبةِ من الاحتفال بالمولد النبوي الكريم، هو إبرازُ مزايا وفضائلِ الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإكثارُ منها، إذ يعد هذا الاحتفالُ مُنَاسبةً متميزةً للإبحارِ في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنَّهْلِ من أنوارها والاقتباس من أسرارها. لذاَ يَكثرُ في هذه المناسبةِ الاجتماعُ للصلاة على النبي الكريم، وتلاوة واحد مِنْ تُحَفِ المغاربةِ في الصلاة على النبي المحبوب، وأعني كتاب سيدي محمد بن سليمان الجزوليدلائلُ الخيرات وشوراق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار. كما تُستَحضَرُ في هذه المناسبةِ الكريمةِ مختلف الأشعار المديحية التي تصلي على المصطفى عليه السلام، أو تُحَفِّز عليها وتبرزُ فضائلها وفوائدَها.

وغَنِيٌّ عن البيان فضلُ الصلاةِ على الرسول الأكرم ، وما ورد فيها من حضٍّ وندْبٍ وترغيبٍ في القرآن الكريم والسنة الشريفة، فقد قال تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾، وورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه شُوهِدَ وقد أطال السجود، فلما سُئِلَ قال: «هذه سجدةٌ سجدتُها شكراً لربِّي فيما آتاني في أمتي، من صلى علي واحدةً صلى الله عليه عشراً». و قد ثبتَ أن الصلاة عليه توجب شفاعته لقوله صلى الله عليه وسلم: «من صلَّى علي أو سأل لي الوسيلة، حقَّت عَليَّ شفاعتُه يومَ القيامة». و في إشارة لطيفةٍ إلى الحديثين الشريفينِ نسمعُ في كلامِ المُنشدينَ قولُهُم:

ألا إن الصلاةَ عليـــهِ نــورٌ       لدى الظلماتِ في اليومِ المهولِ

إذا صليتَ صلى اللهُ عــشراً       بواحدةٍ عليكَ عـــلَى الرســـولِ

بلإنهصلىاللهعليهوسلموصفَالمُعْرِضَعنالصلاةعليهبالبخيل،لماقالعليهالسلام: «البخيلُ مَن ذُكرتُ عنده فلم يُصَلِّ علَي». والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم واجبةٌ على المؤمنِ في سائر الأوقات، لكنهَا تصبح أكثر حضوراً و ظهوراً وانتعاشا في مناسبةِ المولد النبوي الشريف؛ لأنها تعد مَجْلًى من مَجَالِي الفرح برسول الله صلى الله عليه وسلم. فصلِّ اللهم عليهِ عدد ما ذكركَ وذكرهُ الذاكرون وغفلَ عن ذكركَ وذكره الغافلون، وعلى آله وصحبه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى