لوامع محمدية

-اللمعة 6- شرف الفرح برسول الله صلى الله عليه وسلم

فضيلة الأستاذ محمد التهامي الحراق

عَطر اللهم مجالسَنَا بأعطر صلاة وأطيب تسليم، على أكمل مولود وأجل مودود وأفضلِ كليم، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله، واجعلنا يا مولانا من أعظمِ المخصوصين لديه والمتعلقين بأذياله“.

*    *     *

خلال الإضاءة التاريخية لهذه اللمعة ، سننتقلُ لرصدِ مباهجِ الاحتفال بالمولد النبوي الشريف مع السعديين. فقد حافظ السعديون على الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، واتخذوه عيداً على غرار المرينيين، بل ازدادت الاحتفالاتُ بالمولد النبوي في العصر السعدي بهجة وتوهجاً، حيث نقرأ من بديعِ الوصف لهذه الاحتفالات ما كتبهُ عبد العزيز الفشتالي في كتابِه مناهلُ الصفا في أخبار الملوك الشرفا،  وهو يرسم فيه عنايةَ السلطان أحمد المنصور السعدي بشهر ربيع النبوي، و بتقليدٍ عريقٍ ما زلنا نرى آثارَه اليوم في حاضرةِ سلا، وهوموكب الشموع، يقول الفشتالي: “ والرسمُ الذي جرى به العملُ لاحتفالِ هذا الموسم العظيم، النبويِّ الكريم، أنه إذا طَلَعَتْ طلائعُ ربيعٍ الأولِ؛ مولدِ النبي الكريم، صلواتُ الله وسلامُه عليه من المولى العظيم؛ توجهتْ العنايةُ الشريفةُ إلى الاحتفالِ له بما يُرْبِي على وصفِ الواصفين، وتَقِفُ دونَه أقلامُ الحاسبين، فتصيرُ الرِّقَاعُ إلى الفقراءِ أربابِ الذكرِ على رسمِ الصوفيةِ من المؤذنين، المُتَعَارِينَ فِي السَّحَرِ بالآذان، وأصواتِ رُهْبَان، فيَهوُونَ للدعوةِ من الأماكنِ النائيةِ والقاصية. ويعكِفُ على خدمةِ رياضِ الشموع التي تجلُو محاسِنَ هذه الدعوةِ؛ الجهابدةُ الذين يُبارونَ النحلَ في نسجِ أشكالِها لُطفاً وإدماجاً“.

*    *     *

  من أبرز ما يُعَبِّرُ عنهُ الكلامُ المُسْتَحضَرُ في مدائحِ المولد النبوي الكريم، الفرحُ بولادةِالفجر الأعظمسيدِنا محمد صلى الله عليه وسلم. وهو الفرح الذي تُسْتمَدُّ شرعيتَه من قوله تعالى: ﴿قل بفضلِ اللهِ وبرحمته فبذلكَ فليفرحوا (يونس الآية 58). فقد جاء فيالدر المنثورللإمام السيوطي وفي غيره منقولا عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قولُه: “فضل الله العلم، ورحمتُه محمد صلى الله عليه وسلم؛ لقوله سبحانه ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (الأنبياء، الآية 107)، ولقوله صلى الله عليه وسلم: “إنما أنا رحمةٌ مهداةٌ“. من هنا وجب علينا الفرحُ والابتهاجُ والحبورُ بهذه الرحمة التي مَنَّ بها علينا الحق سبحانه. ومن هنا أيضاً كان الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريفِ فرحا بهذه الرحمة الربانية المهداةِ، وشكرا على هذه النعمة المسداة التي أنعم الله علينا بها لما بعث فينا خليلَهُ وحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم. وهذا فرحٌ شريفٌ، إذ الفرحُ يشرُفُ بشرَفِ المفروحِ بهِ، كما قال سلطانُ العلماء العز بنُ عبدِ السلام.

وممايزكيمشروعيةَهذاالفرحِمايُروىعنأبيلهبٍأنَّالعباسَبنَعبدِالمطلبرآهُبعدمماتِهِفيالمنامِفسألهعنحاله،فأجابهُ  أبو لهبٍ: « في النار، إلا أنه يُخَفَّفُ عني كلَّ ليلةِ اثنين بإعتاقي ثُوَيْبَةَ، عندما بشَّرَتني بولادةِ النبي صلى الله عليه وسلم ». فإذا كان هذا حالُ الكافر الذي لا تنفعُه طاعةٌ أو خيرٌ مع كفرِهِ، حيث يُخفَّفُ عنه العذابُ فقط إكراماً له لفرحه بولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعتاقهِ لجاريتهِ ثويبةَ الأسلميةَ تعبيرا عن هذا الفرح؛ إذا كانَ هذا حالُ الكافرِ فما بالُ المسلم المؤمن الذي لا يكمُلُ إيمانُه حتى يكونَ المصطفى أحبَّ إليه مِنْ نفسِه وولَدِه والناسِ أجمعين. ذاك هو المعنى الذي ضمَّنَهُ الحافظُ شمسُ الدين الدمشقي في هذه الأبيات البديعة لما قال:

إذا كـان هـذا كــافرا جــاء ذمُّـهُ       وتبَّتْ يــداهُ فــي الـــجحيمِ مُخَلَّدَا

أتى أنهُ فـي يــومِ الاثـنين دائمـاً       يُـخففُ عنهُ للســرورِ بــأحمــــدَا

فما الظنُّ بالعبدِ الذي طول عمرِهِ       بأحمدَ مسروراً ومـــات موحِّـــدَا

اللهم صلّ على الحبيبِ المصطفى الذي ملأت قلبه من جلالك، وعينَه من جمالك فأصبح فرحا مؤيدا منصورا، وعلى آله وصحبه، والحمد لله على ذلك.

*    *     *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى