مقالات

معالم من البعد الإنسي الكوني في الرحمة المحمدية

محمد التهامي الحراق

الحديث عن السيرة النبوية بالنسبة لنخبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا محالة حديثٌ واشج بين الفكر والفرح؛ ذلك أن ثمة استعدادا روحيا عاما لمزيد تعرف واستكشاف واستشفاف لشمائل وخصائص هذا النبي الكريم، مثلما ثمة شغف لتجديد التواصل والحوار بين هذا النبي العظيم و بين “إخوانِه” الذين آمنوا به و لم يروه؛ حوار مناجاة ومساررة وصدع بمحبة ما تفتأ تعظم وتتجدد وتتدفق، مثلما هو حوار مدموغ بهموم وأسئلة وإحراجات وحيرات زمن يحتاج فيه هؤلاء “الإخوان” إلى تنوير نبوي يضيء لهم العتمات، ويخفف عنهم الأزمات، ويؤشر لهم على معالم طريق النجاة في أرخبيل الآفات التي تطوقهم بها سياقاتهم التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية؛ وكذا  تأخرهم الحضاري وعقمهم المعرفي والتباسات فهم بعضهم للدين فهما ينأى به عن روح الرحمة والصفح والعفو والسماحة والسلم والحلم ومكارم الأخلاق التي جاء المصطفى صلى الله فليه وسلم برسالة تتميمها بما هو رحمة للعالمين.

مقاربات السيرة النبوية

 ضمن هذا الأفق الحواري مع سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم تندرج هذه الدراسة. إنها تختار الاقتراب من هذه السيرة من زاوية فكرية ومعرفية وفلسفية مخصوصة، لا تلغي باقي الزوايا بقدر ما تتكامل و تتفاعل معها.

 السيرة النبوية ما انفكت تشكل موضوع اشتغال علمي وتوثيقي واستنباطي واعتباري؛ لكن قلما كانت موضوع تفكر معرفي تساؤلي فلسفي إنسي. وحتى نتبين خصوصية الاقتراب الأخير، يلزمنا، ولو في كلمات وجيزة

فمن المعلوم أن السيرة النبوية ما انفكت تشكل موضوع اشتغال علمي وتوثيقي واستنباطي واعتباري؛ لكن قلما كانت موضوع تفكر معرفي تساؤلي فلسفي إنسي. وحتى نتبين خصوصية الاقتراب الأخير، يلزمنا، ولو في كلمات وجيزة، إضاءة أبرز المقاربات التي حظيت وتحظى به السيرة النبوية، وهي بإجمال كبير أربعُ مقاربات نسميها على التوالي: “مقاربة تاريخية”؛ “مقاربة فقهية”؛ “مقاربة اعتبارية”؛  ثم “مقاربة معرفية إنسية”.

 أ- المقاربة التاريخية، و نشير بها إلى ذلك التناول المخصوص للسيرة النبوية من المنظور التأريخي التوثيقي، سواء من خلال السرد المتواتر والرواية الإخبارية المُسْنَدَة، أو من خلال التحقق التاريخي من الوقائع والأمكنة والأعلام والعلاقات والمواقف والسعي إلى الترتيب الكرونولوجي الخَطِّي لأحداث السيرة النبوية؛ أو من خلال الفحص التاريخي لهذه الأحداث استنادا إلى مفاهيم المنهاج التاريخي الوضعاني الحديث، ثم استنادا إلى الجهاز المنهاجيوالمفاهيمي والأدوات المعرفية الإجرائية التي يتيحها علم التاريخ و مدارسِه كما تبلورت وتطورت ضمن التحولات الإبستيمولوجية الكبرى التي شهدتها علوم الإنسان والمجتمع في القرن العشرين تعيينا.

ب – المقاربة الفقهية، ونعني بها تلك التي تقوم على النظر إلى السيرة النبوية وأحداثها من منظور فقهي استنباطي يروم استنباطَ الأحكام واستخلاصَ القيم التشريعية والدلالات الدينية المعيارية منها، سواءٌ تعلق الأمر بالعقائد أو العبادات أو المعاملات. وقد عُرِف هذا الصنيع واشتهرَ بـ “فقه السيرة”. وثمة عدة كتب حديثة اتخذت من هذا النعت عنوانا لها كما هو الحال مع كتابي محمد الغزالي و محمد سعيد رمضان البوطي.

ج – المقاربة الاعتبارية، وتسعى إلى استخلاص العظات والحِكَم والعِبر والدروس الأخلاقية والتربوية من أحداث السيرة النبوية. وهذه المقاربة تفكرية إيمانية تستقصد التماسَ منارات الطريق المستقيم وعلامات الهداية الأخلاقية من سيرة  النبي صلى الله عله وسلم، من حيث هو”قرآن يمشي على رجلين”. وغاية هذا الالتماس هي الاقتداء والائتساء الأنموذج السلوكي المحمدي؛ إذ هو “الأسوة الحسنة” والوحدة المعيارية الأخلاقية لكل مومن.

ما صارت تنذر به البشرية من كوارث بيئية وأخلاقية أضحت تهدد إنسانية الإنسان، وتسيرُ به نحو تدمير نواته الأسرية وفطرته البشرية وخصوصياته الجينية ومحيطه الطبيعي، في فصل خطير للعلمِ عن الأخلاق، وللإنسان عن كل تعالٍ

د – المقاربة المعرفية الإنسية، وهي مقاربة فلسفية تكاد تكون منسية في ثقافتنا الإسلامية اليوم. إنها مقاربة تطرح تلك الأسئلة الشمولية والكونية المتعلقة بالخَلْقِ والوجود والمصير والإنسان والمطلق والمعنى والروحانية، وتعمل على التماس معالم المنظور المحمدي لقيم الحق والخير والعدل والحرية والجمال؛ مثلما تروم مساءلة وضعية الدين وحضوره في السياق الإنساني هنا والآن؛ أي في سياق تعدد الثقافات واختلاف المرجعيات وانفتاح بعضها على بعض، وضمن التحولات الأنطولوجية  الكبرى التي نجمت عن فتوحات العصر التقني في طوره الرقمي، وكذا ما أفرزته العولمة وآلت إليه من آفاتِ تسييد الربح والاستهلاكية والوقوع في الاستلاب الروحي والتنميط الثقافي والوصاية على عقل وروح الإنسان؛ وكذا ما صارت تنذر به البشرية من كوارث بيئية وأخلاقية أضحت تهدد إنسانية الإنسان، وتسيرُ به نحو تدمير نواته الأسرية وفطرته البشرية وخصوصياته الجينية ومحيطه الطبيعي، في فصل خطير للعلمِ عن الأخلاق، وللإنسان عن كل تعالٍ؛ بل وللإنسان عن إنسانيته بما هو جوهر وماهية وروح؛ أي عن ما به يكون كائنا متميزا على سائر المخلوقات والأكوان.

بهذه المثابة، تبحث هذه المقاربةُ المعرفية في السيرة النبوية عن رؤية شمولية تطلب من خلالها أجوبة الدين عن مختلِف الأسئلة الفلسفية المشار إلى بعضها آنفا؛ وذلك انطلاقا من استبار المحطات والمواقف والقيم التي تحفل وتزخر بها السيرة النبوية. وإذ ننحازُ في هذه المداخلةِ إلى هذه المقاربة، فإننا نختار في أفقها أن نقف عند معالم  نعتبرها مَداخل لدراسة أوسع لما نسميه بـ “البعد الإنسي الكوني في الرحمة المحمدية”، فما المقصود، بداية، بهذا النعت؟

البعد الإنسي في السيرة النبوية العطرة

نريد بـ “البعد الإنسي” ذاك المنزع الفكري والحضاري الذي ظهر تحت اسم HUMANISME في الثقافة الغربية خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر للميلاد، والذي كانت مجاليه الأدبية والفلسفية تقوم على اعتبار الإنسان أسمى قيمة في الوجود؛ وعلى النظر إليه باعتباره مركز الكون، والإيمان بقدرته على الفعل في التاريخ بعيدا عن كل وصاية دينية كنسية. ولما كان التاريخ الأوروبي قد انبصم بالصراع بين العقل والدين، أو قل بين العلم والكنيسة، فقد اعتقد البعض أن النزعة الإنسية لا يمكن إلا أن تكون ضد الدين، وأنها لا تتحقق إلا بإحلال الإنسان على تاج الوجود وفي مركز الكون محل قداسة الله الخالق، وهو ما سوف تظهر محاولات تفنيده داخل الثقافة الغربية نفسها بظهور إنسية مسيحية تروم إبراز مركزية الإنسان من منظور ديني.

وإذا كانت بعض الدراسات والأبحاث الرائدة قد برهنت على أن هذه النزعة المعرفية والفلسفية المسماة “إنسية” ليست منتوجا غربيا، وأن الثقافة الإسلامية قد عرفت ما يمكن أن يكون نظيرا لهذه النزعة في المرحلة الإسلامية الكلاسيكية خلال القرن الرابع للهجرة تعيينا، مع كبار الفلاسفة والعارفين الذين اتسموا بانفتاح معرفي وعمق تأملي، و تميزوا بميل بارز إلى تكريم العقل البشري والعناية به؛ فإننا نرى أن ما أسعفهم على ذلك هو كون هذا البعدِ يُمَثِّلُ واحداً من الأبعاد الرئيسة في الدين الإسلامي سواء في القرآن الكريم أو في تحققه الأمثل كما تجسدنه سيرة وحياة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

مختلف أشكال الوعي التي دخلت في الإسلام، انصهرت في عقائده وعباداته وأخلاقه ومقاصده، دون أن تفقد خصوصيةَ حضورِها الثقافي المعبِّر عن تلك الثوابت الدينية المشتركة

وإننا إذ ننطلق من هذا الاقتناع، نرى أن تقصيرَ مفكرينا في إبرازِ هذا البعد غَيَّبَ الدلالةَ العميقة لعالمية الرحمة المحمدية، بل حجب هذا العمق الإنسي الكوني في الإسلام، والذي يمثل الأساس الذي أتاح له الانتشار في مختلف البقاع والأصقاع، ومكَّنه من مخالطة واستيعاب مختلف الثقافات واللغات والذاكرات وأنماط التراث والآداب والحكايات والمخيالات والأعراف … إلخ، ومختلف أشكال الوعي التي دخلت في الإسلام، وانصهرت في عقائده وعباداته وأخلاقه ومقاصده، دون أن تفقد خصوصيةَ حضورِها الثقافي المعبِّر عن تلك الثوابت الدينية المشتركة. ثم إن غياب الوعي بهذا البعد الإنسي الكوني هو الذي يجعلُ الكثيرين يعتبرون الإسلام عربيا فقط، ويخلطون بين نمط تاريخي نسبي معين من “التدين” وبين “الدين” من حيث هو تعاليم إلهية ونصوص مقدسة متعالية، وتشكل السيرة المحمدية وحدةً قياسية معيارية لـ “المتدين” أينما وحيثما ومتى ما كان؛ وحدة قياسية في القيم والمقاصد والأخلاق والمعنى الروحي المتعالي، وهي وحدة تتميز بفرادة تمفصلِ المتعالي والتاريخي في نسيجها، ومن ثم تعلِّمُ، بتواصلية بشريتِها وعظمة نبوتها، “المتدينَ” ضرورةَ مراعاة الحضور الثقافي المتعدد والمتنوع والسياق الأنتروبولوجي بمختلف أبعاده أثناء تنزيل القرآن الكريم وأجرأة عقائد الإسلام وشرائعه وشعائره وقيمه في التاريخ. وهذا واحدٌ من مظاهر البُعْدِ الإنسي العميق في الإسلام، وهو ما نحتاج اليوم إلى التنبيه له في وجه بعض المظاهر التشددية التي تتوسل، باسم الدين، لتفرض نمطا تدينيا معينا أحاديا  ووحيدا على سائر المسلمين مهما اختلفت أزمنتهم وأمكنتهم وسياقاتهم؛ و ذلك في مماهاة عمياء بين هذا النمط النسبي والتاريخي والبشري وبين الدين في تعاليه الإلهي وتساميه القدسي المُفَارِق. على أن هذه المماهاة واحدةٌ من مظاهر العنف الرمزي ضدَّ التنوع  الثقافي والحضاري في الإسلام، والتي تتحول إلى عنف مادي حين يتوسل السعي إلى استئصال هذا التنوع  بمعجم فقهي يروم الإقصاء والنبذ باسم “البدعة” و”الضلالة” والحفاظ على صفاء “توحيد” مُتوَهَّم.

إحياء البعد الإنسي في الإسلام من شأنه أن ينزعَ فتيلَ العنف الرمزي القائم على الخلط بين الدين والتدين، أو بين الدين والثقافة الدينية، وهذا ما من شأنه أن يجفف منبعا فكريا من منابع العنف بين المسلمين أنفسهم

إن إحياء البعد الإنسي في الإسلام من شأنه أن ينزعَ فتيلَ العنف الرمزي القائم على الخلط بين الدين والتدين، أو بين الدين والثقافة الدينية، وهذا ما من شأنه أن يجفف منبعا فكريا من منابع العنف بين المسلمين أنفسهم. ثم إن إحياء البعد الإنسي كفيلٌ أيضا بتصحيح الفهم السقيم لرؤية الإسلام للإنسان، إذ الإسلام لا يكرم المسلم، بل إن الله سبحانه كرم الإنسان من حيث هو كذلك، كما تؤكد ذلك معالم البعد الإنسي الكوني في القرآن الكريم. ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم أكبرَ وأصدقَ ممثل عملي ومجسد إجرائي ومتحقق بشري بحقيقة القرآن الكريم في التاريخ، كانت السيرةُ النبوية حافلةً بعلامات هذا البعد الإنسي المنسي. ولعل أبرزَ مدخل لمجالي تحقق وتحقيق المصطفى صلى الله عليه وسلم لهذا البعد، هو ذاك الوسم الإلهي له بالرحمة العالمية. قال تعالى: “و ما أرسلناكَ إلا رحمةً للعالمين“( الأنبياء، الآية 107)، وقال سبحانه:“لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ” (التوبة الآية: 128).وقال أيضا: “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ” (آل عمران، الآية 159).على أن الرحمة المحمدية، كما جاءت في آية سورة الأنبياء، تتجاوز الاقتصار على “المؤمنين”، وما تحققه صلى الله عليه وسلم بها حيالهم، سوى مظهر بارز وساطع وقريب من مظاهر تحققه بهذه الرحمة مع سائر الناس بل سائر الخلق كما سنرى. من هنا، نسجل أن عالمية الرحمة المحمدية هي أعظم مجلى إسلامي من مجالي البعد الإنسي الكوني في التاريخ البشري.

عالمية الرحمة المحمدية

ونحن هنا، إذ ننطلق من آيةِ سورة الأنبياء لتقرير “عالمية الرحمة المحمدية”، فإننا نفهم اصطلاح العالمين الوارد في الآية الكريمة بمعنيين؛ معنى مجرد متعال ثابت، ومعنى تاريخي نسبي متحول. أما المعنى الأول المتعالي الثابت، فيشير من خلاله اصطلاح “العالمين” إلى كل ما سوى الله من المخلوقات والموجودات ما علِمنا منه وما لم نعلم؛ فيما المعنى الثاني التاريخي المتحول، فيتعلق بإداركنا البشري المتطور لمفهوم العالمية، ذلك أن حدود العالم كما أدركها مثلا المسلمون الأول فاتحين[1] وجغرافيين ما فتئت تتوسع، بحيث تغير مفهومنا للعالمية مع ظهور الاكتشافات الجغرافية، ثم توسع مع توسعِ إدراك الإنسان للفضاء الكوني وموقعه فيه، وما زال هذا الإدراك مفتوحا على التطور والتغير والاتساع. أضف إلى ذلك أننا نعيش العالمية كخصيصة يومية، بل كلحظة تخترق معاشنا بفضل التطور التكنولوجي والتواصلي الرقمي الهائل الذي عرفته البشرية، لذلك نحتاج أن نجدد فهمنا لـ”عالمية الرحمة المحمدية” بما يتيح إدراكها في هذا السياق العالمي المنفتح والتواصلي، وكذا بما يجعلها مصدر انتفاع بشري،  بحيث يفيد من رحمتها الناس كافة، أي الإنسان حيثما وكيفما كان.

الرحمة المحمدية العالمية، نلفي أنها جامعةٌ مانعةٌ بلغة المناطقة؛ إذ نجدها شاملةً لمختلف العناصر والعلائق والأنحاء والميادين؛  تشمل المسلم والكافر والمنافق، وتشمل الصغير والكبير والطفل والمرأة، مثلما تشملُ الإنسان والحيوان والنبات والبيئة

 وبالعودة إلى التأمل في مجالي الرحمة المحمدية العالمية، نلفي أنها جامعةٌ مانعةٌ بلغة المناطقة؛ إذ نجدها شاملةً لمختلف العناصر والعلائق والأنحاء والميادين؛  تشمل المسلم والكافر والمنافق، وتشمل الصغير والكبير والطفل والمرأة، مثلما تشملُ الإنسان والحيوان والنبات والبيئة. وهذا معناه أن هذه الرحمة المحمدية تعم الإنسان في مختلف أحوال تدينه أو لا تدينه، وفي مختلف أطوار سنه وجنسه، مثلما تغطي محيطه وبيئته في حال السلم كما في حال الاضطرار للحرب.

وإذا أردنا أن نشير إلى بعض مظاهر الرحمة المشار إليها على سبيل الإيجاز، يمكن رصد مواقف باهرة تجسد رحمته صلى الله عليه وسلم في تعامله مع المسلم من خلال ما تتسم به شريعته من تيسير وأخذ بالرخص ورفع للحرج ودعوة إلى التقوى على قدر الاستطاعة، وفي تعامله صلى الله عليه وسلم مع الكافر، حيث رفض صلى الله عليه وسلم، مثلا، أن يدعو على الكفار كما فعل غيره من الأنبياء، مثل نوح عليه السلام: “وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا  (سورة نوح، الآية 26)، بل كان يدعو لهم بالمغفرة والهداية[2]؛ بل كان وجوده فيهم سبب الرحمة بهم وإنقاذهم من العذاب الذي حل بالأمم السابقة مثل قوم عاد وثمود ولوط،قال تعالى: “وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( سورة الأنفال، الآية 33).

 وكذلك كان تعامله مع المنافقين، إذ كان يعاملهم بحسب ما يُظْهِرون من الإسلام، ولم يفضحهم رغم إخبار الحق له بأسمائهم، بل كان ينصح لهم بأسلوب النبوة: “ما بال أقوام”، حتى حَسُنَ إسلام بعضهم؛ ولم يقابل إساءة الكفار بالمثل كما حصل في فتح مكة (اذهبوا فأنتم الطلقاء)[3]، مثلما لم يقابل إساءة المنافقين بالمثل كما هو حال زعيمهم عبد الله بن أبي بن سلول الذي حاول النيل من شرف بيت النبوة في حادثة الإفك[4]، مثلما رام الوقيعة بالمسلمين حين انسحب بثلث الجيش في غزوة أحد[5]، فضلا عن تعاونه مع أعداء الإسلام.

 و لم يزغ عن ذات الأفق الرحموتي في تعامله صلى الله عليه وسلم مع أهل الكتاب، حيث كان عليه السلام يحرص على الإحسان إليهم ودعوتهم للإسلام بالتي هي أحسن، فإن رفضوا أبقاهم على دينهم بشرط دفع الجزية مقابل حمايتهم من لدن المسلمين، وتُعتَبر “صحيفة المدينة”، في هذا السياق، نموذجا للعَقِدِ الاجتماعي الإسلامي في حفظ حقوق أهل الكتاب في شعائرهم وأماكن عبادتهم وتمتعهم بسائر الحقوق على غرار المسلمين. أضف إلى ذلك مخالطته لهم عبر التجارة والزيارة وأكل طعامهم، والعفو عنهم كما حصل مع المرأة اليهودية التي سمَّمت له الشاة، وتلطفه معهم كما حصل مع استقباله لنصارى نجران بالمسجد وإذنه لهم بإقامة صلاتهم فيه حين حان وقتها[6].

أما رحمته صلى الله عليه وسلم بالصغير والكبير والطفل والمرأة، وحرصه على البيئة، ورفقه ورحمته بالحيوان، وعنايته بسميِّ الأخلاق في الحرب كما في السلم…، كل ذلك عنوان على حسن أدبه الرباني، فقد قال صلى الله عليه وسلم: “أدبني ربي فأحسن تأديبي”[7]، وهو ما يجلي البعد الإنسي والكوني في رحمته، فقد جاء صلى الله عليه وسلم للإنسانية رحمة شاملة متممة لمكارم أخلاقها، قال صلى الله عليه وسلم: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”[8].

حرمة دم الإنسان

بعد هذه الصورة الإجماليةِ العامة لعالمية الرحمة المحمدية، يمكن أن نشير بإيجاز لبعض معالم البعد الإنسي الكوني في هذه الصورة الرحموتية، وذلك من خلال الإشارة لبعض مجالي هذا البعد في رعايته صلى الله عليه وسلم لـ”فطرة الإنسان” و”حرمة دم الإنسان”، و”حرية الإنسان”، “وجمال الإنسان”، وهي عناصرُ للتمثيل ليس إلا.

النبي صلى الله عليه وسلم يصدر في هذا الحديث عن إنسية إسلامية كونية في حاجة إلى إعادة اكتشاف، خلالها يؤكد على سلامة فطرة الإنسان من حيث هو إنسان، و من ثم يبعد كل تصنيف عنصري للإنسان

  • رعاية فطرة الإنسان. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه”[9].لا مراء أن هذا الحديث الإنسي العظيم في حاجة إلى اقتراب متعدد المداخل لا يطيقه المقام، لذا نكتفي بالإشارةِ إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم يصدر في هذا الحديث عن إنسية إسلامية كونية في حاجة إلى إعادة اكتشاف، خلالها يؤكد على سلامة فطرة الإنسان من حيث هو إنسان، و من ثم يبعد كل تصنيف عنصري للإنسان يحشره بشكل قبلي في دائرة الكفر، وهذا ما يجعل من أصل فطرة الإنسان أصلا ربانيا؛ لأنه قد أقر بالربوبية في عالم الأزل والغيب ومشهد الذر، عالَم اللطافة والأرواح، وذلك حين أخذ منه ربهُ العهدَ على ذلك كما تشير إلى ذلك آية هذا الميثاق الأزلي، قال تعالى: “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ“(الأعراف 172). وهو ما يعني أن المولود يولد على فطرة “الإسلام” لا من حيث هو شريعة محمدية، بل من حيث هو قابلية لتسليم الروح لله وتعبده وتوحيده، أو قل قابلية الصلة بالتعالي، وشغفٌ فطري للمطلق وعطش لمعناه. الأمر الذي يتدخل الوسط أو السياق التاريخي والاجتماعي والديني والتواصلي في توجيهه، مما يجعل تلك الفطرةَ السليمةَ تتخذ اتجاها تاريخيا حسب البوصلة الاجتماعية والثقافية الحاضنة لتلك الفطرة.والأهمية الإنسية للحديث تكمن أساسا في مسؤولية التذكير بهذه الفطرة السليمة في أصلها الروحاني، مما يقتضي تقدير الإنسان واحترامَه من حيث هو إنسان؛ أي من حيث أصلُه الرباني وتكريمُه الإلهي، ومن ثم السعي بالحال قبل المقال إلى الائتساء بالأنموذج المحمدي في استدعاء هذه الفطرة والحفر عليها واعتبارها أساس كل تعامل، كما يجسد ذلك الأفق الرحموتي المحمدي في التعامل مع الإنسان كنَفْسٍ مخلوقةٍ ونَفَسٍ ألهي قبل أي اعتبار إضافي آخر.

حُرِّم سفك دم الإنسان في الإسلام، مثلما حرم قتل غير المسلم ما لم يكن مُحَاربا، بل المسلم مطالب بحماية غيره من غير المسلمين، المستأمنين والذميين والمُعَاهَدين، فضلا عن حماية نفسه بما هو إنسان من كل أشكال التهلكة

  • رعاية حرمة دم الإنسان. قال صلى الله عليه وسلم: “أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء”[10]، وقال صلى الله عليه وسلم: “اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق … إلخ”[11]، وقال صلى الله عليه وسلم: “لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما”[12]، وورد عن سعد بن معاذ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من أمن رجلا فقتله وجبت له النار وإن كان المقتولُ كافراً”[13]. إن هذه النصوص و غيرها مما يسير في فلكها تُظهر حرص الرحمة المهداة على حرمةِ دم الإنسان، حرمة دم الإنسان أولا بما هو إنسان؛ ذلك أن الإنسان إما أخ لك في العقيدة أو نظيرٌ لك في الإنسانية كما يقول خريج المدرسة الرحموتية المحمدية علي كرم الله وجهه في “نهج البلاغة“، يقول: “الناس صنفان: إما نظير لك في الخلق أو أخ لك في الدين”[14]. وما هذا الأفق الإنسي الكوني الذي يرعى دمَ الإنسان بما هو كذلك والنفسَ بما هي كذلك إلا تجسيد وتحقق بقوله تعالى: {مِنْ أَجْل ِذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} (المائدة 32)، أو قوله عز وجل في معرض ذكر صفات عباد الرحمن: “والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ” (الفرقان الآية: 68). ولذلك حُرِّم سفك دم الإنسان في الإسلام، مثلما حرم قتل غير المسلم ما لم يكن مُحَاربا، بل المسلم مطالب بحماية غيره من غير المسلمين، المستأمنين والذميين والمُعَاهَدين، فضلا عن حماية نفسه بما هو إنسان من كل أشكال التهلكة، علاوة على تحريم الانتحار وقتل النفس كيفما كان السبب أو التعلة، أما قتل المسلم للمسلم فتلك جريمة عظمى دونها زوال الدنيا، لقوله صلى الله عليه وسلم: “لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم”[15]؛ إذ حرمة دم المؤمن أعظم عند الله من حرمة الكعبة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبا الكعبة: “ما أعظمك وما أعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك”[16]؛ و قد شملت هاته الحرمة كل العباد، باعتبارِ الفطرة الإيمانية الأصلية لكل نفس غير محاربة أو معتدية.

مواقف المصطفى صلى الله عليه و سلم،  تدلل على أن رعاية الإنسان وحرمة دمه واحدة من مجالي البعد الإنسي الكوني في الرحمة المحمدية، إنها ترعى دم الإنسان بما هو مجلى لعظمة الخلق الإلهي

لا إكراه في الدين

إن كل هذه النصوص وغيرها من مواقف المصطفى صلى الله عليه و سلم،  تدلل على أن رعاية الإنسان وحرمة دمه واحدة من مجالي البعد الإنسي الكوني في الرحمة المحمدية، إنها ترعى دم الإنسان بما هو مجلى لعظمة الخلق الإلهي،  لذلك تشمل رعاية حرمة الدم المسلم وغير المسلم، أي كل نفس إنسانية كيفما وأينما ومتى ما كانت.

  • رعاية حرية الإنسان. مظاهر هذه الرعاية متعددة بتعدد مجالات هذه الحرية وأبوابها، ويكفي أن نقول إن هذه الحرية كما سبق معنا هي مناط التكليف، بل هي مسوغ الابتلاء بالخير والشر؛ إذ لا معنى للحساب والعقاب بدون تمكين العبد من القدرة على الاختيار. من هنا كانت حريةُ الاعتقادِ من أعظم الحريات التي كفلها الإسلام وجسدتها الرحمة المهداة، حيث تحقق في سيرته صلى الله عليه و سلم بقوله سبحانه: “لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي” (البقرة 256)، وقوله عز من قائل: “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر“؛ أو قول الحق له:” فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ“، وقوله كذلك: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰيَكُونُوا مُؤْمِنِينَ”. لذلك ، وعلى مدى رسالته وعمرِ دعوته صلى الله عليه وسلم حتى مماته، لم يُكْرِه أحدا على الإسلام، بل وحتى وهو في أوج قوته وانتصاره كما حدث عند فتح مكة حين دخلها منتصرا دون قتال، لم ينتقم من المشركين ولم يثأر لنفسه ممن آذوه وأخرجوه منها ونكلوا به وبأصحابه، بل قال لهم: “يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟ قالوا خيرا، أخ كريم، وإن أخ كريم: فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء”. وكذلك عندما فرَّ من فر من المشركين خوفا على أنفسهم من انتقام رسول الله، أعطى المصطفى صلى الله عليه وسلم الأمان لمن طلبه أو دخل بيوت المسلمين، كالرجلين من أحماء أم هاني بنت أبي طالب من بني مخزوم، اللذين استجارا بها، وأراد علي كرم الله وجهه أخوها أن يقتلهما، فلما أخبرت الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك قال لها: “قد أجرنا من أجرت وأمَّنَّا من أمَّنْت”[17]. وهذا مظهر من مظاهر رحمته صلى الله عليه وسلم، وعدم اغتنامه لانتصاره لإكراه الناس بالقوة والحديد على اعتناق الإسلام، قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين} (آل عمران 159). ويدخل ضمن رعاية هذه الحرية، ما سبق أن أشرنا إليه مما تضمنته “صحيفة المدينة” من قيم التساكن بين المسلمين وغير المسلمين، وأنهم يتمتعون بكافة الحقوق على غرار المسلمين، ويدفعون الجزية مقابل حمايتهم واستفادتهم من الخدمات المتوفرة للمسلمين.

ظل اليهود والنصارى على دينهم في الإسلام، وتكفل المسلمون بحماية حق أدائهم لشعارهم، مثلما صينت دورُ عبادتهم وحُكِمَ بينهم وفق شرائعهم

 هكذا ظل اليهود والنصارى على دينهم في الإسلام، وتكفل المسلمون بحماية حق أدائهم لشعارهم، مثلما صينت دورُ عبادتهم وحُكِمَ بينهم وفق شرائعهم .. إلخ، وهذا مأخذه، مثلا، في الكتاب الذي كتبه المصطفى صلى الله عليه وسلم لما َقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم) كِتَابُ مُلُوكِ حِمْيَرَ وَرُسُلُهُمْ بِإِسْلَامِهِمْ مَقْدِمَهُ مِنْ جهة تَبُوكَ وَهُمْ: الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ كُلَالٍ، وَنُعَيْمُ بْنُ عبد كلال والنعمان، وقيل ذي رعين غيرهم، حيث قال فيه: “….وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني فإنه من المومنين، لهم ما لهم وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يرد عنها، وعليه الجزية على كل ذكر وأنثى، حر أو عبد”[18].

الجمال في الأقوال والأفعال

إنه نموذج من نماذج رعايته صلى الله عليه وسلم لحرية الإنسان، وهي تحضرُ في مظاهر شتى غير الاعتقاد؛ مثل حريات التعبير والزواج والطلاق والسفر… إلخ، وهي حريات مكفولة ما لم تتعد حرية الآخرين أو تمس بحقوقهم، وذلك ضمن قواعد تضمن للإنسان مقاصد السلم والأمن والحفظ في العقل والعرض والمال والدين والنسل كما هو معلوم عند علماء المقاصد.

  • رعاية جمال الإنسان. من المعلوم أن المصطفى صلى الله عليه وسلم يمثل نموذج الكمال في الجمال بالنسبةِ للمؤمن؛ إذ يجمع بين جمال الحس وجمال المعنى، جمال المظهر وجمال المَخْبَر، جمال الظاهر وجمال الباطن. وما أعذب وأبهى وأزهى ذاك الوصف الإنسي الكوني لجمال المصطفى صلى الله عليه وسلم، كما وقَّعَه شرف الدين البوصيري في “همزيته”، حين قال:

        سُتِر الحسنُ منه بالحسنِ فاعجَبْ

           لِجمَالٍ له الجمالُ وقاء

ومثلما تحقق صلى الله عليه وسلم في رحموتيته باسمه سبحانه “الواسِع”، فكانت هذه الرحمة تسعُ العالمين أي سائر المخلوقاتِ والأكوان، تحقَّقَ أيضا باسمه سبحانه “الجميل”، فكان صلى الله عليه وسلم “عينَ الرحمة” ومعدن “الجمال” وعنوان “الكمال”. فعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ”[19].  لأجل هذا كان الظهور بالجمال في اللباس والطيب والمأكل والمشرب والطلعة والمحيا والحديث من غير إسراف هو مما تميل إليه الفطرة البشرية وترتاح له النفس جبليا، وهذا ما كان يتحلى ويتخلق به صلى الله عليه وسلم، ويربِّي عليه أصحابه. فقد خرج الصحابي عمران بين حصين على أصحابه وعليه مطرف من خز لم يُر عليه من قبل، فلما سُئل عن ذلك قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من أنعم الله عز وجل عليه نعمة، فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده”[20].وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم كلها تحبيب في المكان الجميل والرائحة الجميلة والوجه الجميل والقلب المسرور؛ ذلك أن الله سبحانه يحب الجمال في الأقوال والأفعال، في الهيئة والسريرة. فالثياب الأنيقة والريح الطيبة جمال، وكذلك التواضع جمال والصدق جمال، والصبر الجميل جمال، والصفح الجميل جمال، والتسريح بمعروف جمال، والحِلم جمال، والرحمة جمال.

الجمال تميل إليه النفسُ الإنسانية من حيث هي كذلك، وهذا ما يجعل من كل مداخل الجمال في الإسلام وحيا وثقافةً و حضارةً و تاريخا

ولعل من ألمعِ أمارات هذا البعد الإنسي الكوني في الجمال بما هو رحمة، أن هذا الجمال تميل إليه النفسُ الإنسانية من حيث هي كذلك، وهذا ما يجعل من كل مداخل الجمال في الإسلام وحيا وثقافةً و حضارةً و تاريخا، استلهاماتٍ وامتداداتٍ  من الأنموذج المحمدي؛ بل وعلاماتٍ رئيسةً في كل قراءة إنسية تروم إعادة اكتشافِ البعد الإنسي الكوني في الرحمةِ المحمدية.

إجمال:

لم يكن الغرض من هذا المقال استقصاءَ كل مداخل البعد الإنسي الكوني في الرحمة المحمدية، ولذلك لا نعد الإشارات إلى الرعاية الرحموتية المحمدية لفطرة الإنسان وحرمة دمه وحريته وجماله سوى تنبيهات تؤشر على مداخل أخرى مثل مدخل “المحبة” ومدخل “الصدقة” ومدخل “الحِلم” ومدخل “الحرص على البيئة” و”الرحمة بالأطفال” و”الرأفة بالحيوان” ومدخل “سمو خلق الرحمة” في السلم والحرب … إلخ. وهي كلها تفيدُ كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قد شكل أنموذجا رحموتيا كونيا، تسترشد الإنسانية بهديه وكماله الخلقي في كل زمان ومكان، وذلك بما يكفل للإنسان كرامته وحريته وإنسانيته. وهو منظور ما أمس حاجتنا اليوم لإبرازه إزاء كل محاولات تقزيم عالمية ديننا وكونية رحمة نبينا، تقزيمها في زمان أو مكان أو لغة أو عرق أو طائفة أو مذهب. وهو تقزيم يروم اجتثاث هذا الأفق الإنسي الكوني من ديننا، لكون هذا الأفق واحدا من علامات ربانية هذا الدين، وصلاحيته الكونية العابرة للأزمنة والأمكنة، والمخترقة لمختلف أصناف الحدود وألوان النهايات.

———————————-

[1]– ينسب إلى الفاتح الأكبر عقبة بن نافع الفهري قوله”اللهم لوكنت أعلم أن وراء البحر أرضا لخضته إليها”. وفي رواية أخرى: “والله لو كنت أعلم أن وراء هذا البحر أرضا وأقواما لخضته في سبيل الله لأنشر دين الله”

[2]– كان يقول لأصحابه” إنني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة”.

وقال صلى الله عليه وسلم: “اللهم أبعد ثقيف” وقوله صلى الله عليه وسلم: “اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون” وعقب ما تعرض … في الطائف من تنكيل وصد من أهلها، أت ملك الجبال ليقول له: “إن شئت أطبق عليهم الأخشبين” فيرد صلى الله عليه وسلم قائلا: “لا لا عسى الله أن يخرج من اصلابهم من يعبد الله” ويرد ملك الجبال: صدق من سماك رؤوف رحيم.

[3] – البيهقي في السنن الكبرى كتاب السير باب فتح مكة ح: 18275 وسيرة ابن هشام 2/412 والشفا للقاضي عياض 1/228 والروض الأنف 7/232

[4]– البخاري في صحيحه كتاب التفسير باب سورة النور ح: 4750

[5] – سيرة ابن هشام 2/64

[6] – سيرة ابن هشام 1/574 وزاد المعاد لابن القيم 3/549 وتفسير ابن كثير .

[7] – قال الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة ص:73 “أدبني ربي فأحسن تأديبي، العسكري في الأمثال من جهة السدي عن أبي عمارة عن علي رضي الله عنه”، وقال الحافظ أبو الفيض أحمد بن الصديق في المداوي لعلل الجامع الصغير وشرحه للمناوي 1/249: “قلت: أسند هذا الحديث الإمام الكبير العارف الشهير أبي أحمد الرفاعى في كتابه “حال أهل الحقيقة مع اللَّه”، وقال السيوطي في الدرر المنتثرة ص: 45 : ” وصححه أبو الفضل بن ناصر”.

[8] – أخرجه البزار في مسنده ح:8949 والبيهقي في السنن الكبرى جماع أبواب من تجوز شهادته باب: بيان مكارم الأخلاق ومعاليها ح: 20782 ومسند الشهاب للقضاعي ح: 1165، وورد بلفظ “صالح الأخلاق” عند أحمد في المسند ح:8952 والبخاري في الأدب المفرد باب حسن الخلق ح:273 والحاكم في المستدرك ح: 4221 وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والبيهقي في الشعب ح:7609 ومصنف ابن أبي شيبة ح: 31773

[9] – أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجنائز باب إذا أسلم الصبي فمات ح:1358 ومسلم في صحيحهكتاب القدر باب معنى كل مولود يولد على الفطرة ح: 2658 وأحمد في المسند ح:8562

[10] – البخاري في صحيحه كتاب الرقاق باب القصاص يوم القيامة ح: 6533 ومسلم كتاب القسامة باب المجازاة بالدماء في الآخرة ح:1678

[11] – صحيح البخاري كتاب الوصايا باب قول الله تعالى {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما، إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} [النساء: 10] ح: 2766 ومسلمكتاب الإيمان باب بيان الكبائر وأكبرها ح: 89

[12] – البخاري صحيحه كتاب الديات ح: 6862

[13] – الطبراني في المعجم الكبير 20/41 حديث جابر بن عبد الله عن معاذ بن جبل ح: 64وحلية الأولياء لأبي نعيم 3/324

[14] – نهج البلاغة بشرح الشيخ محمد عبده 3/369

[15] – النسائيفي سننه في كتاب تحريم الدم، باب تعظيم الدم ح: 3987.

[16] – الترمذي في السنن كتاب البر والصلة باب ما جاء في تعظيم المؤمن ح: 2032 والبيهقي في شعب الإيمان ح: 6280

[17] – مالك في الموطأ كتاب الصلاة صلاة الضحى ح:158 وأحمد في المسند ح: 26892 والبخاري في صحيحه كتاب الصلاة باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به ح: 357ومسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب استحباب صلاة الضحى ح: 336

[18] – سيرة ابن هشام 2/589

[19] – رواه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان باب تحريم الكبر وبيانه ح: 91 وأحمد في المسند ح: 3789

[20] – رواه أحمد في المسند ح: 19934 والترمذي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى